تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
قولهم : من تعطّل أيام التحصيل ؛ تحصّل أيام التعطيل ، هذا بالنسبة إلى حالة الدنيا ، فإنه ما دام البقاء فيها ؛ فإنه يرجى للطالب تلافي ما فات ، إلا أن يكون بالفاء إلى أرذل العمر ، وزمان العنه والفند ، فإنه إذا لم يساعد الأسباب والآلات ؛ فكيف يتحصّل الملكات . ألا ترى إلى قولهم : من فقد حسّا ؛ فقد فقد علما فقدان حسّ من الحواس إذا كان سببا لفقدان علم من العلوم ، جميع الحواس يوجب فقدان جميع العلوم ، نعم إن شباب الزمان أعون على تحصيل المرام من زمان الكهولة والشيخوخة . ومن هنا ورد : « العلم في الصغر ؛ كالنقش في الحجر » « 1 » ؛ وذلك لاجتماع الحواس والقوى إذ ذاك . وقد صحّ إن بعضهم تحصّل في أيام الشيخوخة أيضا ؛ لاعتدال مزاجهم ، واجتماع قواهم سواء كان المتحصّل من قبيل الرسوم كما وقع للإمام القدروي ، وأبي بكر الفضل الشاشي ، أو من قبيل الحقائق كما وقع للجارية البصرية وغيرها . وإمّا بالنظر إلى حال الآخرة ؛ فكل كمال لم يحصل في الدنيا ؛ لم يحصل في الآخرة ؛ لمضي زمان التكليف والكسب ، إلا أن يكون الكمال الغير الحاصل لمن سلك ، ولم يكمل له الأمر بعد ؛ فإنه من أهل الترقّي في جميع المواطن ، فالابتداء إذا كان على السلوك والخروج من بيت الطبيعة ؛ فالانتهاء على الترقّي ، فإن الأجر واقع على اللّه ، واللّه لا يضيع أجر المحسنين ، والرحمن ما عنده حرمان ، جعلنا اللّه وإياكم من الواصلين . * * *
هامش
( 1 ) رواه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى ( 1 / 375 ) ، وذكره العجلوني في الخفا ( 2 / 85 ) .