وفي سورة الشورى
قال اللّه سبحانه :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[ الشورى : 11 ] .
اعلم أن أمر الوجود دائرة واحدة ؛ لكن جعلت نصفين باعتبار الوجوب والإمكان ، فقوله : (
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
) إشارة إلى النصف الوجوبي « 1 » .
وقوله : (
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
) إشارة إلى النصف الإمكاني .
والنصف الأول : كتاب الوجود الحقيقي الذي آياته محكمات بلا متشابهات ؛ لأنه كتاب الغيب ، واللا تعيّن ، والإطلاق .
والنصف الثاني : كتاب الوجود الظلّي الذي آياته متشابهات بلا محكمات ؛ لأنه كتاب التجلّي ، والتعيّن ، والتقيّد ؛ فهما بحران بينهما برزخ لا يبغيان ، فلا يبقى بحر الوجوب والمحكمات على بحر الإمكان والمتشابهات برفع حكمه ، واعتباره ، وإلا لبطلت الحقائق ومراتب الأسماء والصفات ، وكذا لا يبقى بحر الإمكان والمتشابهات على بحر الوجوب والمحكمات برفع تأثيره ، وفعله ، وإلا انقلبت الحقائق والأعيان .
فالربّ لا يكون عبدا ، كما أن العبد لا يكون الربّ أبدا ، وإنما يظهر سرّ
هامش
( 1 ) قال سيدي علي وفا : اسمع : إن قيل لك المثل بكسر الميم وسكون الثاء وبفتح الميم والثاء واحد ، فكيف الجمع بين قوله :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشورى : 11 ] وبين قوله :وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى[ النحل : 60 ] وبين قوله :مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ[ النور : 35 ] ؟ .
فقل : وما توفيق العبد إلا باللّه سيده ومولاه : إن كانا واحدا لغة فالمثل قد أثبت للحقيقة التي هي الهوية بقوله :وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى[ الروم : 27 ] ، ولاسم الجلالة بقوله :وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى[ النحل :
60 ] ، ولنور اللّه بقوله :مَثَلُ نُورِهِ[ النور : 35 ] .
ونفي عن مثل الهوية بقوله :لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[ الشورى : 11 ] .
وأثبت المثل للنور بقوله : (مَثَلُ نُورِهِ) هذا المشكاة أمر وهميّ ليس غير ؛ لأنه في الحس فراغ متوهم وخلاء ، والخلاء ثابت وهما فقط ، فهو في الحس والكون لا شيء ، فلا يلزم من كونه كائنا أن يكون ذلك الأمر شيئا . وإنما قال :مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ[ النور : 35 ] ؛ ليثبت أنه ليس له مثل حقيقي ؛ إذ الظاهر منه في المظاهر هو بالحقيقة ، ومثاله بالوهم ليس إلا كالذي تراه منك بواسطة المرايا الصقيلة ،يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ[ النور : 35 ] : أي يبين اللّه الأمثال للناس ، فافهم .