فإن قلت : فإذا كانت روحانية نورانية ؛ فما معنى التخلّص عنها ؟ .
قلت : أمّا الروح فلا كلام في كونه مخلوقا كما دلّ صلّى اللّه عليه وسلّم :
« أول ما خلق اللّه روحي » « 1 » .
والخلق حجاب على وجه الحق بالنسبة إلى الخلق ، فإن اللّه تعالى لا يحتجب إلا بصفاته ، فلا حجاب له .
هامش
- في نعيم الجنة ما بلغت ، ولم يعط أحد ما أعطيت ، فتفوّه بالحمد للّه رب العالمين ، والثناء والشكر لأكرم الأكرمين . قال اللّه تبارك وتعالى :وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ[ يونس : 10 ] .
وقال تعالى :وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ[ الزمر : 74 ] .
وقال :وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ[ فاطر : 34 ، 35 ] .
فالأبرار أهل اليمين ، أدنى نعيمهم اشتغالهم بالتنعّم في دار النعيم ، وأعلاها كشف حجب التنعيم لمشاهدة البر الرحيم ، وأما المقرّبون فدائمون بمحاضرة الوجهة الجمالية ، والحقيقة الرحمانية ، والذات الصمدانية ، والصفة الألوهية ، فهم بين حجاب رحماني وكشف لاهوتي رباني ، فبكشف الحجاب اللاهوتي يغرقون في بحر الوحدانية ، ويفنون عن الأنانية ، ويمحون من بين الملكية والإنسانية ، فتمحى آثارهم ، وتطمس أخبارهم ، فتحرقهم أنوار اللاهوتية ، وتصطلمهم سبحات الربوبية ، فيفنون من بين الأكوان ، وتستغرقهم حقيقة كان ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « كان اللّه ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان » .
وكتب في الذّكر كل شيء حتى الكيس والعجز فمن أحرقته سبحات الوجهة الإلهية ، ومحقته أنوار الحقيقة الصمدانية ، تحقق بالدخول تحت ظل ميم المحمدية ، وشهدت له الحقيقة الربّانية بخصوصية العبدانية .
قال اللّه تبارك وتعالى :قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى[ النمل : 59 ] .
وقال تعالى :اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ[ الحج : 75 ] .
وهو تعالى يختص برحمته من يشاء ، ويؤتي ملكه من يشاء ، ويؤتي الحكمة من يشاء ، وما يفتح اللّه للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وهو تعالى الفتّاح العليم ، ذو الفضل العظيم ، لا إله إلا هو رب العرش الكريم .
( 1 ) لم أقف عليه .