تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
ومعنى الحق : اقتران الوجود بالماهية ، فالوجود ؛ هو الوجود الأول الذي هو وجود الحق ، ولا يعتريه الخلقية ؛ وإنما المخلوق هو الماهية ؛ وهي تعيّن خاص بالنسبة إلى ما في علم اللّه تعالى من الثبوت . ومن هذا السرّ قال تعالى :
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] ، فجعل الوجه الذي يلي وجه الحق غير هالك ؛ بل الحقيقة الإنسانية جامعة لوجهي الإطلاق والتقييد ، فوجه الإطلاق ؛ هو وجه عين وجه الحق في الحقيقة ، ولولا هذا الوجه ؛ ما عرف الحق ؛ إذ لا مناسبة بين الحق والخلق أبدا « 1 » . ومن هنا ورد : « لا يعرف اللّه إلا اللّه » « 2 » . وقالوا : إن البسيط لا يدركه إلا البسيط ؛ إذ لا مناسبة بينه ، وبين المركب ، وعلى هذه فابحث جميع الموجودات ، فما من كثيف إلا وله جهة لطافه بها يدركه اللطيف ، ومن هنا يدخل الروحاني من الجدار الغير النافذ . وأمّا النور فمعنى حجابيته : كونه في مقابلة الظلمة ، ولا شك أن ما كان في مقابلة الظلمة ؛ فهو في حكم الظلمة ، كما أن الوحدة المقابلة لكثرة في حكم الكثرة ؛ ولذا لا يوصف اللّه تعالى ؛ وإنما يوصف بالوحدة الحقيقية التي هي مبدأ الوحدة الاعتبارية ، وكذا لا يوصف إلا بالنور الذي هو مبدأ النور المقابل للظلمة ؛ وهو النور الذاتي الأصلي الحقيقي الذي أشير إليه بلا ليل ولا نهار ؛ لأن النهار المقابل الليل ؛ هو النهار العارض ، والنور الطارئ . وما يقال : إن اللّه تعالى يتجلّى في ليلة القدر ؛ فالمراد به النور الذاتي الذي ليس
هامش
( 1 ) فكل شيء موجود نشاهده حسيّا ، ونعلمه عقلا ، وليس بهالك ، فكل شيء بوجهه ووجه الشيء حقيقته ، فما في الوجود إلا اللّه ، وإن تنوعت الصور ، وذلك أحكام التجلي لا المتجلّي ؛ فإنّه ورد في الحديث أنه يتنوع فيعرف وينكر ؛ لأنه كل يوم هو في شأن ، فنكر للعموم والشمول ، فذلك قال ( له الحكم وإليه ترجعون ) : أي من يعتقد أنّ كل شيء جعلناه هالكا ، وما عرف ما قصدناه من الآية إذا رآه ما يهلك منه ، ويرى بقاء عينه بالهلاك ، فهو وجهي ، فعلم أن الأشياء ليست غير وجهي ، فإنها لا تهلك ، فردها إلىّ حكما . ( 2 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 1 / 264 ) .