في سورة الفرقان
قال اللّه تعالى :
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
[ الفرقان : 44 ] ، وقال تعالى :
لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
[ الأعراف : 179 ] .
اعلم أن الإنسان : إمّا إنسان حقيقي ، وهو الذي لهم قلوب يفقهون بها ، ولهم أعين يبصرون بها ، ولهم آذان يسمعون بها ، فمتعلق فقههم هو العلم الإلهي ، ومتعلق أبصارهم آثار اللّه ، ومتعلق أسماعهم كلام اللّه ، سواء كان بطريق الخطاب الغيبي ، أو بطريق الخطاب البشري ، أو بطريق غيرهما .
وإمّا إنساني : وهو بعكس من ذكر ، وإنما قيل له : إنسان حيواني ؛ لأنه إنسان من حيث حيوان من حيث السيرة ؛ ولذا شبه بالأنعام ؛ لأن الأنعام لا تتجاوز الحس ، والملك إلى عالم المعنى والملكوت .
فالإنسان الحيواني : ليس له روح إنساني ، وقلب ، وسمع ، وبصر بحكم غلبة الحيوانية ، فمن قال : إن الروح الإنساني مشترك فيه دون القلب ونحوه ، كما قال تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ
[ ق : 7 ] ، فهو ذهل عن الآية المذكورة ، وفرّق بين القلب والروح ؛ بل القلب ، والعقل ، والروح جوهر واحد في الحقيقة .
وإنما الاختلاف بحسب الاعتبارات ، فالقلب محل الشهود ، والعقل محل الإدراك ، والروح محل المعرفة ، فإذا كان الإنسان خاليا عن الشهود ، والإدراك الحقيقي ، والمعرفة الإلهية كان حيوانا حكما ، وإن كان إنسانا صورة بحكم المرتبة ، فالاعتبار ليس بالمرتبة ؛ بل بحقائقها ، وأحكامها الظاهرة بالفعل ، فاعرف جدّا « 1 » .
هامش
( 1 ) فائدة : قال سيدي محمد وفا : الرحمن رئيس عالم القدرة ، ومفيض عقوله الإلهيّة ، المتّصفة بالصفات الربّانية ، وهي حقائق قادرة على التجلّي والتأثير ، وهي ألسنة تكوّن كل كون في عالم الإمكان ، إلا الإنسان فإنه كلمة الرحمن ، ورئيس عالم الأكوان ، وله سجد الساجدون ، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض أجمعين ، خلق اللّه آدم على مثل صورة الرحمن ، وكلمة الرحمن أنتجت في عالم الإمكان الإنسان ، وهي كن ، وكلمة الإنسان تنتج في عالم الإيجاب ، الرحمن وهو لا إله إلا اللّه ، واللّه حقيقة كل حقّ ، ونور كل أمر ، وخلق لا فيه غيره ، ولا معه سواه ، الأبد والأزل في حقه سواء ، وللّه الأسماء الحسنى والصفات العليا ، يستتر ويتجلى ، يظهر كيف شاء ويخفى ، ويتنزل ويترقّى من العرض الأدنى إلى العرض الأقصى ، قال تعالى :أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى[ طه : 50 ] .