تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
هامش
- باطن الزق للأنبياء وتلك الرشاحة هي للأولياء . وقال : والمشهور عن أبي يزيد التعظيم لمراسم الشريعة ، والقيام بكمال الأدب . وحكي عنه أنه وصف له رجل بالولاية فأتى إلى زيارته وقعد في المسجد ينتظره ، فجاء ذلك الرجل وتنخم في حائط المسجد فرجع أبو يزيد ولم يجتمع به ، وقال : هذا رجل غير مأمون على أدب من آداب الشريعة كيف يؤمن على أسرار اللّه ، وما جاء عن الأكابر أولي الاستقامة مع اللّه سبحانه من أقوال وأفعال يستنكر ظاهرها أوّلناها لهم لما علمناه من استقامتهم وحسن طريقتهم ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ولا تظنّنّ بكلمة برزت من امرئ مسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا » انتهى كلامه قدّس اللّه سرّه العزيز . وأما قوله في بعض كلامه : رفعني وأقامني بين يديه ، يعني : أشهدني ذلك وأحضر قلبي لذلك ؛ لأن الخلق بين يدي اللّه سبحانه لا يذهب عليه منهم نفس ولا خاطر ولكن يتفاضلون في حضورهم لذلك ومشاهدتهم له ، ويتفاوتون في صفائهم عجب من كدورة ما يحجب بينهم وبين ذلك من الأشغال القاطعة والخواطر المانعة ، واللّه تعالى أعلم . وأما قوله : قال لي وقلت له ، فإنه يشير بذلك إلى مناجاة الأسرار وصفاء الذكر عند مشاهدة القلب لمراقبة الملك الجبار في آناء الليل والنهار . واعلم أن العبد إذا تيقن بقرب سيده منه ويكون حاضر القلب مراقب الخواطر فكل خاطر يخطر خطر بقلبه كأن الحق سبحانه يخاطبه بذلك ، وكل شيء يتفكره بسره فكأنه يخاطب اللّه به إذ الخواطر وحركات الأسرار ، ما يقع في القلوب بدؤه من اللّه تعالى وانتهاؤه إلى اللّه . فهذا على هذا المعنى ، واللّه أعلم . وفيما ذكرته كفاية وهذا الباب واسع ، وقد شرح الشيوخ ما نسب إليه من الكلام المغلق على أفهام بعض الناس كسيد الطائفة الجنيد والشيخ أبي النصر السراج وغيرهما قدس اللّه أرواحهم . قال الجنيد قدّس اللّه روحه : الحكايات عن أبي يزيد مختلفة ، والناقلون عنه فيما سمعوه متفرقون ، وذلك لاختلاف الأوقات الجارية عليه بما فيها والاختلاف بالمواطن المتداولة بما خص منها فكل يحكي عنه ما ضبط من قوله ، ويروي ما سمع من تفصيل مواطنه . وقال الجنيد أيضا : وكأن كلام أبي يزيد رحمة اللّه عليه بقوته وغوره وانتهاء معانيه مغترف من بحر قد انفرد به ، وجعل ذلك البحر له وحده . وقال الجنيد أيضا : كل الخلق يركضون فإذا بلغوا ميدان أبي يزيد هملجوا . وقال أبو الحسين : ولعمري لقد كان يبدو منه الشيء بعد الشيء على سبيل الغلبة لا يجوز أن يتخذها الإنسان دعوى يدعيها . وقال الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي : سمعت علي بن بندار ، يقول سمعت أبا بكر بن محمود يقول : بلغني أن أبا حفص قدم على أبي يزيد ، فقال له : يا أبا يزيد : يبلغنا عنك في كل وقت أشياء منكرة ، فقال : إنما يخرج الكلام مني على حسب وقتي ، ويأخذه كل -