تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
لا بد من تخريب الهيكل الذي تعيّنه أشدّ من سائر التعينات ، وتخريبه إنما هو بالرياضات الشاقة بحيث تفنى الطبيعة والنفس عن الشهوات والهوى ؛ بل الروح عن الميل إلى المعارف ، والتغيّر عن الالتفات إلى شيء مما سوى اللّه تعالى . وقال اللّه سبحانه :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] . اعلم أن الروح نصفه تركّي ، ونصفه عربي ، هكذا أثبت عند أهل اللّه . معناه : إن البحث عن نصفه متروك ؛ لأنه من عالم اللطائف ، فلا يحرر بالقلم ، ولا يقرر باللسان ؛ بل يحال على الذوق ، وإليه الإشارة بالأمر ؛ لأن عالم الأمر عالم الإبداع ، والاختراع من غير مادة ، ولا في مدة . ونصفه معرب عنه ؛ لأنه من عالم الكثائف ، فيحرر بالقلم ، ويذكر باللسان ، ولا يحال على الذوق ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ ،
وقدّم الخلق على الأمر حيث قال :
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ
[ الأعراف : 54 ] ؛ لأن عالم الخلق يلينا ، ففيه ترق من الأدنى إلى الأعلى ؛ ولذا قال :
تَبارَكَ اللَّهُ
[ الأعراف : 54 ] ؛ إشارة إلى الأمر ، ثم قال :
رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الأعراف : 54 ] ، إشارة إلى الخلق ؛ لأن ألوهيته ناظرة إلى عالم الأمر ، كما أن ربوبيته ناظرة إلى عالم الخلق . والحاصل أنه أسند التبارك إلى الألوهية ؛ لوقوعه قرب الأمر ، ثم وصفه بالربوبية نظرا إلى بعد الخلق ، فكان الروح أول عالم الإبداع ، وأسبق تجلياته سبحانه ، وكان له تعين في ذلك العالم ، وهو التعين الروحاني ، فدار في عالمه يوما واحدا من الأيام الإلهية ، وهو ألف سنة وهو عالم القلم والعقل ، ثم تنزّل إلى عالم الأرواح فدار في عالم اللوح أيضا يوما واحدا من تلك الأيام ، ثم تنزّل إلى عالم الخلق ؛ فكان خلق الروح أقدم من خلق الخلق بألفي سنة على ما ورد في بعض الأحاديث الصحيحة . وكان مرتبة الروح مرتبة الحياة والعلم ؛ لأنه حيّ بالأسماء الإلهية ، وتنفست من مضايق كون الغيب وتنزّل العلم من الثبوت إلى الوجود ، ويشير إليه لفظ الروح ؛ لأنه من الريح ، وهو النفس الرحماني المفاض عليه ، وكان مرتبة الخلق مرتبة القدرة