تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
إلى أن ينشئه اللّه ثانيا ، وإنما تمنّى الكافر أن يكون ترابا ؛ لأن التراب أبعده عن الحضرة من حيث إنه من عالم القوة والإنسان أقرب منها من حيث إنه من عالم الفعل ، ولا شك أن العذاب على من كذب وتولى لا على من أعطاه اللّه خلقه فهدي فافهم جدا . ثم إنه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما توقف في الجواب ، وانتظر الوحي الإلهي مع أن علمه حاضر عنده ، وهو مرئي له ملكوت السماوات والأرض ، كما أن الجواب عن أمر اللّه أقوى من الجواب عن أمر نفسه ؛ لأن الوجه الخاص تابع للوجه العام ؛ فاقتضى الأدب الإلهي ألا يتكلم إلا بالحق من كل الوجوه ؛ فظهر من هذا التقرير سرّ قوله تعالى :
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
[ الإسراء : 85 ] . وهو أنهم لو كانوا أوتوا من العلم كثيرا ؛ لما احتاجوا إلى السؤال عن أمر الروح ؛ فعلم أنهم جاهلون به لاحتجابهم بالغواشي البشرية . أنه صلّى اللّه عليه وسلّم عالم به لأنه أقوى روحا من عيسى عليه السّلام ؛ لأنه تعالى قال :
وَرُوحٌ مِنْهُ
[ النساء : 171 ] : أي أن عيسى روح مبتدأ من روح محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » بل من الروح
هامش
( 1 ) اعلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم روح الحق : اسم من أسمائه صلّى اللّه عليه وسلّم . وقيل : إنه هو معنى ما ورد في الإنجيل أن اسمه البارقليط . وقيل : معنى البارقليط أنه : الذي يفرّق بين الحق والباطل فيكون روح الحق . والمفرّق بين الحق ، والباطل : اسمان متغايران صادقان على ذاته الكريمة ، ونشأته العظيمة . فالروح : هو قوام الأجساد والأشباح ، فلا اعتبار لوجود الأجساد ، ولا يعبأ بها لولا وجود الأرواح . فمعنى روح الحق في حق نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم يحتمل وجوها من الحسن عديدة ، ومعاني موجودة في حقه صلّى اللّه عليه وسلّم فريدة . فالحق يحتمل أن يراد به : الإيمان الذي بعث اللّه به جميع الشرائع والأديان . فيكون معناه : روح الإيمان : أي إن الإيمان إنما ظهر في أرض اللّه ، وانتشر في قلوب خلق اللّه بوجود سيد المرسلين ، وبعثة من شرف اللّه به الأولين والآخرين . فلو لا هذا الروح الكريم ، والمحبوب للّه العظيم لتلاشى وجود الإيمان ، ولم يظهر له أثر في العيان . وقد يكون الحق : المراد به في الهدى والنور الذي بعثه اللّه به ، والحكم الشرعي على الذي جاء به ، فهو صلّى اللّه عليه وسلّم نور الهدى ، والنور الذي نوّر اللّه تعالى به وجود العالم بأسره ، وبه حياته ؛ لأنه ما خلق إلا من أجله . ويحتمل أن يكون الحق ، أطلق على وجود الأكوان ؛ لأنها خلقت مصحوبة به ، فكان روحا لها في جميع الأزمان . -