قال عز وجلّ :
حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ
[ الأعراف : 40 ] ، علّق ذلك بأضيق شيء ، ودخوله تعليقا بالمحال .
ولا شك أن المعلّق محال ، فالفتح والدخول محال ، وفي ذلك وعيد شديد لأهل الإنكار والإصرار ، والواقعين في الأخيار والأبرار بتكذيب كراماتهم العلمية ، وآياتهم العرفانية .
وفيه إشارة إلى أنهم كالجمل في الضخامة حيث إنهم يربّون أجسامهم بالشهوات ، وقلوبهم بالإنكار ، وأرواحهم بالجمل والحجاب ، فكما أن الجهل وهو في تلك الضخامة لا يمكن أن يدخل في سمّ الخياط ، وهو في تلك الدقة والضيف ؛ فكذا كفار الحقائق لا يمكن أن يدخلوا في باب الملكوت ؛ لضيقه ، ولا أن يسلكوا على صراط المعنى ؛ لدقته ؛ بل أرواحهم المظلمة تبقى بعد الموت الطبيعي في جو الهواء ؛ كأرواح غيرهم من الفجرة ؛ بل الفجور المعنوي المتعلّق بالقلب أشدّ من الفجور الصوري بالقالب ، وكم من ساقط من أهل الفجور الأول في غاية الأمر ، وقائم من
هامش
- فأراد رضي اللّه عنه بهذا التمثيل تقريب العقول الضعيفة القول للإمام الجنيد ، فالإناء مثل مضروب منه لعقله ، والماء مثل مضروب لمعروفه وهو اللّه .
وقد اختلف الناس في تأويل هذا الخبر من علماء الرسوم ، ثم قال : المعرفة من كسب النفس ، فالحق قائم بها فالمعرفة نفسية ربانية جنانية .
وقال : بالباء عرفه العارفون ، وبزوالها صحّ الدوام لهم في المعرفة : أي به عرفوه ، ولما غابوا عن معرفتهم بمعروفهم صحّ لهم دوامها ، ولو غفلوا عنه بها ثبت لهم نقيضها .
ثم قال : وقال : المعرفة والسرور لا يجتمعان في أحد في الدنيا أبدا ، والمعرفة والحزن لا يجتمعان في الآخرة في أحد أبدا ما دام الرجل في هذه الدار ، فهو على قدم خطر ولو بلغ ما بلغ ؛ لأنها دار المكر والتبديل ، وقد ذم الفرح فيها لعدم تحقيق أسبابه من جميع الوجوه فإذا انتقلت إلى دار التمييز والتخليص وترآى الفريقان ، وانصبغ من انصبغ في الفضل والرحمة ، حينئذ يحق الفرح وقد أوتي العبد هنا الرحمة والفضل ، ويمنعه من الفرح بهما شغل القلب بأداء الحقوق هنا ، وهناك .