تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 146

مساهمون:

ص١٤٦
أي بعد المحبة التي هي أساس الالتحاق ، فمن ظن كفاية المحبة المطلقة بدون موافقة الأعمال ؛ فقد ألحق اليهود بموسى ، والنصارى بعيسى ، والروافض بالمرتضى ، فحاشا عن أن يلتحق الملوّث بالمطهّر فلا فائدة للأطماع الفارغة ، ولو شاء اللّه لجمع الناس على الهدى ؛ ولكن قال : ذلك الفضل من اللّه يتفضل به على من يشاء وكفى باللّه عليما بمن يستحق الفضل بحسب استعداده . كما قال :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
[ الأنعام : 124 ] . وفيه إشارة إلى أن الكسب إنما هو من الأدب ، وإلا فكل كمال إنما هو اختصاص إلهي ناظر إلى الشئونات الذاتية الأزلية التي لا مدخل فيها للجعل ، فربّ صالح يلحقه اللّه بمن فوقه من الأصلح ؛ فيكون أصلح ، وربّ صادق يرقيه اللّه إلى الأعلى ؛ فيكون أصدق ، وإذا كان أصدق ؛ كملت مقاماته . وإن كان السير في اللّه لا نهاية له أبد الآباد ؛ هو الذي قرب من درجة النبوة ، كما قال تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي
[ يوسف : 108 ] : أي أنا على بصيرة في أمر الدعوة ، وكذا من اتبعني قولا وفعلا وحالا . أمّا القول : فهو صدق القول . وأمّا الفعل : فهو صدق الفعل . وأمّا الحال : فهو صدق الحال . فمن لم يصدق في هذه المراتب ؛ لم يكن من أهل الدعوة إلى اللّه ؛ لأن الكاذب لا يدخل على اللّه ، ولا يدلّ على اللّه ؛ ولذا قالوا : عين اليقين ، فمن ادّعى العين ؛ فلا عين له فقد ارتكب المين ، فكيف يجوز أن يقول الرجل أبصرت ولا بصر له ؟ أو علمت ولا بصيرة له ؟ فأهل الرسوم إرشادهم إنما هو من الأحكام ، وأهل الحقائق دعوتهم إنما هي إلى مرسل الأحكام ، فكما أن الأحكام لإصلاح الظواهر ، فكذا الحقائق لإصلاح البواطن ، والظواهر ظروف البواطن فليست البواطن بعيدة من الظواهر ؛ لكن العيون الظاهرة لا تبصرها ، فيجب أن يكون المرء ؛ كالهدهد ، فإنه يرى الماء تحت الأرض ،