تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
أقاربكم
حَتَّى يُهاجِرُوا
ولما بين تعالى ان منكم المؤمن الذي لم يهاجر انقطاع الولاية بينه وبين المؤمنين وتوهم انه يجب ان يتحقق بينهم التقاطع التام لتحققه بينه وبين الكفار أزال هذا الوهم بقوله
وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ
اى ان طلب منكم المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة
فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ
اى فوجب عليكم نصرهم على من يعاديهم في الدين
إِلَّا عَلى قَوْمٍ
منهم
بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ
اى الا إذا كان من يعاديهم ويحاربهم من الكفار بينهم وبينكم عهد موثق فحينئذ يجب عليكم الوفاء بالعهد وترك المحاربة معهم ولا يلزمكم نصر الذين آمنوا ولم يهاجروا عليهم بل الإصلاح بينهم على وجه غير القتال
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فلا تخالفوا امره كيلا يحل بكم عقابه
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
آخر في الميراث منطوق الآية اثبات الموالاة بين الكفار والكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الايمان فالمراد منه بطريق المفهوم المخالف نهى المسلمين عن موالاتهم وموارثتهم وإيجاب المباعدة بينهم ان وجد بينهم قرابة نسبية لان الموالاة بين الكفار مبنية على التناسب في الكفر كما انها بين المؤمنين مبنية على التناسب في الايمان فكما لا مناسبة بين الكفر والايمان من حيث إن الأول ظلمة والثاني نور فكذا لا مناسبة بين أهلهما فان الكافر عدو اللّه والمؤمن ولى اللّه فوجب التقاطع وإزالة الوصلة من غير الجنس : قال الحافظ
نخست موعظهء پير صحبت اين پندست * كه از مصاحب نا جنس احتراز كنيد
إِلَّا
اى ان لا
إِلَّا تَفْعَلُوهُ
اى ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم بعضا حتى في التوارث ومن قطع العلائق بينكم وبين الكفار
تَكُنْ
تامة
فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ
اى تحصل فتنة عظيمة فيها وهي ضعف الايمان وظهور الكفر
وَفَسادٌ كَبِيرٌ
في الدارين وفيه إشارة إلى مساعدة طالب النصرة بأي وجه كان فان تركها يؤدى إلى الخسران وارتفاع الأمان وفي الحديث ( انصر أخاك ظالما أو مظلوما ) ونصرة الظالم بنهيه عن الظلم وفي فتاوى ضيخان إذا وقع النفير من قبل الروم فعلى كل من يقدر على القتال ان يخرج إلى الغزو إذا ملك الزاد والراحلة ولا يجوز له التخلف الا بعذر بين انتهى . وكما أنه لا كلام في فضيلة الإعانة والامداد كذلك لا كلام في الهجرة إلى ما يقوم به دين المرء من البلاد - روى - ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما رأى ما نزل بالمسلمين من توالى الأذى عليهم من كفار قريش مع عدم قدرته على إنقاذهم مما هم فيه قال لهم ( تفرقوا في الأرض فان اللّه سيجمعكم ) قالوا إلى اين تذهب قال ( هاهنا ) وأشار بيده إلى جهة الحبشة وفي رواية قال لهم ( اخرجوا إلى ارض الحبشة فان بها ملكا عظيما لا يظلم عنده أحد وهي ارض صدق حتى يجعل اللّه لكم فرجا مما أنتم فيه ) يقول الفقير أصلحه اللّه القدير سمعت من حضرة شيخى العلامة أبقاه اللّه بالسلامة أنه قال لو كان لي مال لهاجرت من قسطنطينية إلى ارض الهند لأنه لا فائدة في الإقامة مع سلطان لا غيرة له أصلا من جهة الدين ثم ذكر تورع سلطان الهند وهذا الكلام مطابق للشريعة والطريقة . وقد قال بعض الكبار ان الأولياء لا يقيمون في بلاد الظلم وجاء في الحديث ( من فر بدينه من ارض إلى ارض وان كان شبرا من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق أبيه خليل اللّه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام )