تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
تعالى قائلين اى رب انصرنا على عدوك يا غياث المستغيثين أغثنا وعن عمر رضى اللّه عنه ان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم الف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو ( اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ) فما زال كذلك حتى سقط رداؤه فاخذه أبو بكر فالقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال يا نبي اللّه كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز ما وعدك فهذه الاستغاثة كانت من النبي عليه السلام ومن المؤمنين واسناد الفعل إلى الجماعة لا ينافي كونه من النبي عليه السلام لأنه دعا وتضرع والمؤمنون كانوا يؤّمنون
فَاسْتَجابَ لَكُمْ
اى أجاب عطف على تستغيثون داخل معه في حكم التذكير
أَنِّي
باني
مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ
اى جاعلين غيرهم من الملائكة رديفا لأنفسهم فالمراد رؤساؤهم المستتبعون لغيرهم حتى صاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ
عطف على مقدر اى فامدكم اللّه بانزال الملائكة عيانا وما جعل ذلك الامداد لشئ من الأشياء
إِلَّا بُشْرى
اى الا للبشارة لكم بأنكم تنصرون فهو استثناء مفرغ من أعم العلل
وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ
اى بالامداد
قُلُوبُكُمْ
فيزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم وفي قصر الامداد عليها اشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال وانما كان امدادهم بتقوية قلوب المباشرين وتكثير سوادهم ونحوه ولو بعثهم اللّه بالمحاربة لكان يكفى ملك واحد فان جبريل أهلك بريشة واحدة من جناحه سبعا من مدائن قوم لوط وأهلك بصيحة واحدة جميع بلاد ثمود قال الحدادي وهذا القول أقرب إلى ظاهر الآية وقيل نزل جبرائيل في خمسمائة من الملائكة على الميمنة وفيها أبو بكر رضى اللّه عنه ونزل ميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه فقاتلوا وقيل قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين - وروى - ان رجلا قال تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل ان يصل اليه سيفي
وَمَا النَّصْرُ
اى حقيقة النصر على الإطلاق
إِلَّا
كائن
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
من غير أن يكون فيه شركة من جهة الأسباب فان امداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ونحوهما وسائط لا تأثير لها فلا تحسبوا النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها ونعم ما قيل
النصر ليس باجناد مجندة * لكنه بسعادات وتوفيق
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
لا يغالب في حكمه ولا ينازع في أقضيته
حَكِيمٌ
يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة واعلم أن للملائكة امدادا في كل جيش حق وان لم يكونوا مرئيين ومشاهدين بحسب أبصارنا وهم في الحقيقة إشارة إلى القوى الروحانية الغالبة فإنها إذا ظهرت في وجود المجاهر بالجهاد الأكبر لا يقابلها شئ من القوى الانفسية الشريرة المغلوبة وكذا ما كان مظاهرها من كفار الظاهر وانما العمدة هي اليقين والاطمئنان - روى - ان بني إسرائيل أعطوا السكينة وهي ريح ساكنة تخلع قلب العدو بصوتها رعبا إذا التقى الصفان وهي معجزة لأنبيائهم وكرامة لملوكهم وللسكينة معنيان آخران . أحدهما شئ من لطائف صنع الحق يلقى على لسان محدث الحكمة كما يلقى الملك الوحي على قلوب الأنبياء مع ترويح