تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
المرتبة على الإحصاء لأهل الدين ثلاثا . جنة الأعمال . وجنة الميراث . وجنة الامتنان لا جرم كانت أنواع الإحصاء ثلاثة . التعلق في مقام الإسلام . والتخلق في مقام الايمان . والتحقق في مقام الإحسان فاحصاؤها بالتعلق في مقام الإسلام هو ان يتطلب السالك آثار كل اسم منها في نفسه وبدنه وجميع فواه وأعضائه واجزائه وجزئياته في جميع حالاته وهيآته النفسانية والجسمانية وفي جملة تطوراته وأنواع ظهوراته فيرى جميع ذلك من احكام هذه الأسماء وآثارها فيقابل كل اثر بما يليق به كمقابلة الانعام بالشكر والبلاء بالصبر وغير ذلك فبمثل هذا الإحصاء يدخل جنة الأعمال التي هي محل ستر الأغراض الزائلة بالأعيان الثابتة الباقية وهي التي اخبر عنها إبراهيم الخليل عليه السلام بأنها قيعان وان غراسها سبحان اللّه والحمد للّه واحصاؤها بالتخلق في مقام الايمان يكون بتطلع الروح الروحانية إلى حقائق هذه الأسماء ومعانيها ومفهوماتها والتخلق بكل اسم منها على نحو ما امر به من قوله عليه السلام ( تخلقوا بأخلاق اللّه ) بحيث يكون المتخلق هو عين ذلك الاسم اى بنفعل عنه ما ينفعل عن ذلك الاسم فبمثل هذا الإحصاء يدخل هذا المتخلق جنة الميراث التي هي أعلى من الجنة الأولى بل هي باطنها المنزل منها بمنزلة عالم الملكوت من عالم الملك وهي المشار إليها بقوله عليه السلام ( ما منكم من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا مات ودخل النار ورث منزله أهل الجنة وان شئتم فاقرأوا أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) واحصاؤها بالتحقق في مقام الإحسان يكون بالتقوى والانخلاع عما قام بك أو ظهر فيك من الصور والمعاني المتسمة بسمة الحدوث والاستتار بسبحات الحضرة الحقية والاحتجاب بسجف أستارها وأعيانها : كما قال
تسترت عن دهري بظل جناحه * بحيث أرى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمى مادرت * واين مكاني مادرين مكاني
فبمثل هذا الإحصاء يدخل المتحقق جنة الامتنان التي هي محل سرغيب الغيب المشار إليها بقوله عليه الصلاة والسلام ( ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) وإليها الإشارة أيضا بقوله تعالى
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ )
قال ابن ملك من أحصاها اى من أطاق القيام بحق هذه الأسماء وعمل بمقتضاها بان وثق بالرزق إذا قال الرزاق وعلم أن الخير والشر من اللّه تعالى إذا قال الضار النافع فشكر على المنفعة وصبر على المضرة وعلى هذا سائر الأسماء وقيل معناه من عقل معانيها وصدقها وقيل معناه من عدها كلمة كلمة تبركا وإخلاصا وقال البخاري المراد به حفظها وهذا هو الأظهر لأنه جاء في الرواية الأخرى من حفظها مكان من أحصاها انتهى ولا يظن أن أسماء اللّه تعالى منحصرة في هذا المقدار بل هي أشهر الأسماء ويجوز ان تتفاوت فضيلة أسماء اللّه تعالى بتفاوت معانيها كالجلال والشرف ويكون التسعة والتسعون منها تجمع أنواعا للمعاني المنبئة عن الجلال لا يجمع ذلك غيرها فتختص بزيادة شرف ويدل على أن أسماء اللّه تعالى كثيرة قوله عليه السلام ( ما أصاب أحدا هم ولا حزن فقال اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فىّ حكمك أسألك