تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
التوحيد كان ينظر بنور الوحدة فيرى الأشياء كلها من عند اللّه فرأى سفاهة القوم وما صدر منهم من آثار صفة قهره فتنة واختبارا لهم فلما دارت كؤوس شراب المكالمات وسكر موسى باقداح المناجاة زل قدمه على بساط الانبساط فقال
إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ
اى تزيغ قلب من تشاء بإصبع صفة القهر
وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ
اى تقيم قلب من تشاء بإصبع صفة اللطف
أَنْتَ وَلِيُّنا
اى المتولى لأمورنا والناصر في هدايتنا
فَاغْفِرْ لَنا
ما صدر منا
وَارْحَمْنا
بنعمة الرؤية التي سألنا كها
وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ
اى خير من يستر على ذنوب المذنبين يعنى انهم يسترون الذنب ولا يعطون سؤلهم فأنت الذي تستر الذنب وتبدله بالحسنات وتعطى سؤل أهل الزلات
وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً
يعنى حسنة الرؤية كما كتبت لمحمد عليه السلام ولخواص أمته هذه الحسنة في الدنيا وفي الآخرة يعنى خصنا بهذه الفضيلة في الدنيا
وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ
رجعنا إليك في طلب هذه الفضيلة بالسر لا بالعلانية وأنت الذي تعلم السر والأخفى وأجابهم اللّه تعالى سرا بسر وإضمارا بإضمار
قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ
اى بصفة قهري آخذ من أشاء وبقراءة من قرأ من أساء اى من أساء في الأدب عند سؤال الرؤية حيث قالوا لن نؤمن لك حتى نرى اللّه جهرة آخذهم على سوء أدبهم فادبهم بتأديب عذاب الفرقة
وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
نعمة وإيجادا وتربية
فَسَأَكْتُبُها
يعنى حسنة الرؤية والرحمة بها التي أنتم تسألونها
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ
يعنى يتقون باللّه عن غيره ويؤتون من نصاب هذا المقام الزكاة إلى طلابه
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ
يعنى الذين هم يؤمنون بأنوار شواهد الآيات لا بالتقليد بل بالتحقيق وهم خواص هذه الأمة كما عرف أحوالهم وصرح أعمالهم بقوله
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ
وفيه إشارة إلى أن في أمته من يكون مستعدا لاتباعه في هذه المقامات الثلاثة وهي مقامات الرسالة والنبوة التي هي مشتركة بينه وبين الرسول والأنبياء والمقام الأمي الذي هو مخصوص به صلى اللّه عليه وسلم من بين الأنبياء والرسل عليهم السلام ومعنى الأمي انه أم الموجودات وأصل المكونات كما قال ( أول ما خلق اللّه روحي ) وقال حكاية عن اللّه ( لولاك لما خلقت الكون ) فلما كان هو أول الموجودات وأصلها سمى أميا كما سميت مكة أم القرى لأنها كانت مبدأ القرى وأصلها وكما سمى أم الكتاب اما لأنه مبدأ الكتب وأصلها فاما اتباعه في مقام الرسالة والنبوة فبان يأخذ ما آتاه الرسول وينتهى عما نهاه عنه كما قال تعالى
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
فان الرسالة تتعلق واحكام الظاهر والنبوة تتعلق بأحوال الباطن فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة فمن أدى حقوق احكام الرسالة في الظاهر يفتتح له بها أحوال النبوة في الباطن من مقام تنبئة الحق تعالى بحيث يصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف الملكية وربما يؤول حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة ولعله يصير مأمورا بدعوة الخلق إلى الحق بالمتابعة لا بالاستقلال كما قال عليه السلام ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) يشير إلى هذا القوم وذلك ان المتقدمين من بني إسرائيل في زمن الأنبياء عليهم السلام لما وصلوا إلى مقام