تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
بسبب تعظيم كلام اللّه القديم وكما أن اللّه تعالى اظهر لطفه للأولين كذلك يظهره للآخرين وان كان في بعض الأوقات بظهر القهر والجلال تأديبا وتنبيها فتحته لطف وجمال : قال السعدي قدس سره
ز ظلمت مترس اى پسنديده دوست * كه ممكن بود كأب حيوان دروست
دل از بي مرادي بفكرت مسوز * شب آبستن است اى برادر بروز
والإشارة في الآيات ان اللّه تعالى امتحن موسى عليه السلام باختيار قومه ليعلم ان المختار من الخلق من اختاره اللّه لا الذي اختاره الخلق وان اللّه الاختيار الحقيقي لقوله
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
وليس للخلق الاختيار الحقيقي لقوله
ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
ثم استخرج من القوم المختار ما كان موجبا للرجفة والصعقة والهلاك وهو سوء الأدب في سؤال الرؤية جهارا وكان ذلك مستورا عن نظر موسى متمكنا في جبلتهم وكان اللّه المتولى للسرائر وحكم موسى بظاهر صلاحيتهم فأراه اللّه ان الذي اختاره يكون مثلك كقوله تعالى
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى
والذي تختاره يكون كالقوم فلما تحقق لموسى ان المختار من اختاره اللّه حكم بسفاهة القوم واظهر الاستكانة والتضرع والاعتذار والتوبة والاستغفار والاسترحام كما قال
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا
وفيه إشارة أخرى إلى أن نار شوق الرؤية كما كانت متمكنة في قلب موسى بالقوة وانما ظهرت بالفعل بعد ان سمع كلام اللّه تعالى فان من اصطكاك زناد الكلام وحجر القلب ظهر شرر نار الشوق فاشتعل منه كبريت اللسان الصدوق وشعلت شعلة السؤال فقال
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
كذلك كانت نار الشوق متمكنة في أحجار قلوب القوم فباصطكاك زناد سمع الكلام ظهر شرر الشوق فاشتعل منه كبريت اللسان ولما لم يكن اللسان لسان النبوة صعد منه دخان السؤال الموجب للصعقة والرجفة والسر فيه ان يعلم موسى وغيره ان قلوب العباد مختصة بكرامة إيداع نار المحبة فيها لئلا يظن موسى انه مخصوص به ويعذر غيره في تلك المسألة فإنها من غلبات الشوق تطرأ عند استماع كلام المحبوب ولذا قال عليه السلام ( ما خلق اللّه من بني آدم من بشر الا وقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن ان شاء اقامه وان شاء ازاغه ) وبالإصبعين يشير إلى صفتي الجمال والجلال وليس لغير الإنسان قلب مخصوص بهذه الكرامة وإقامة القلب وازاغته في ان يجعله مرآة صفات الجمال فيكون الغالب عليه الشوق والمحبة لطفا ورحمة وفي ان يجعله مرآة صفات الجلال فيكون الغالب عليه الحرص على الدنيا والشهوة قهرا وعزة فانكتة فيه ان قلب موسى عليه السلام لما كان مخصوصا بالاصطفاء للرسالة والكلام دون القوم كان سؤاله لرؤية شعلة نار المحبة مقرونا بحفظ الأدب على بساط القرب بقوله
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
قدم عزة الربوبية واظهر ذلة العبودية وكان سؤال القوم من القلوب الساهية اللاهية فان نار الشوق تصاعدت بسوء الأدب فقالوا
لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً
قدموا الجحود والإنكار وطلبوا الرؤية جهارا فاخذتهم الصاعقة بظلمهم فشتان بين صعقه موسى وصعقة قومه فان صعقته كانت صعقة اللطف مع تجلى صفة الربوبية وان صعقتهم كانت صعقة القهر عند اظهار صفة العزة والعظمة ولما كان موسى عليه السلام ثابتا في مقام
تفسير روح البيان — صفحة 254 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي