تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
اى بعض ما تهوونه ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبها إليكم أو ما يعمها وغيرها من الأعمال والمهجة على أن المراد بالإنفاق مطلق البذل . وفيه من الإيذان بعزة منال البر ما لا يخفى
وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ
اى اى شئ تنفقوا طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه فمحل الجار والمجرور النصب على التمييز
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
تعليل لجواب الشرط واقع موقعه اى فمجازيكم بحسبه جيدا كان أو رديئا فإنه تعالى عليم بكل شئ تنفقونه علما كاملا بحيث لا يخفى عليه شئ من ذاته وصفاته . وفيه من الترغيب في انفاق الجيد والتحذير من انفاق الرديء ما لا يخفى فالوصول إلى المطلوب لا يحصل الا بالإنفاق المحبوب ولذلك كان السلف إذا أحبوا شيأ جعلوه للّه ذخيرة ليوم يحتاجون اليه والإنسان لا ينفق محبوبه الا إذا أيقن انه يتوصل بذلك إلى وجدان محبوب اشرف من الأول فالانسان لا ينفق محبوبه في الدنيا الا إذا تيقن بوجود الصانع العالم القادر وتيقن بالبعث والحساب والجزاء وان من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولزم منه ان الإنسان لا يمكنه انفاق محبوبه في الدنيا الا إذا كان مستجمعا لجميع الخصال المحمودة في الدين فلا تقتضى الآية ان من أنفق ما أحب وصل إلى الثواب العظيم وان لم يأت بسائر الطاعات - روى - انها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال يا رسول اللّه ان أحب أموالي الىّ بئر حاء وهو ضيعة له في المدينة مستقبل مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم فضعها يا رسول اللّه حيث أراك اللّه فقال صلى اللّه عليه وسلم ( بخ بخ ذاك مال رابح أو رائج فانى أرى ان تجعلها في الأقربين فقسمها في أقاربه ) وفيه دلالة على أن انفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب أفضل - وروى - عن عمر بن عبد العزيز رضى اللّه عنه انه كانت لزوجته جارية بارعة في الجمال وكان عمر راغبا فيها وكان قد طلبها منها مرارا فلم تعطه إياها . ثم لما ولى الخلافة زينتها وأرسلتها اليه فقالت وهبتكها يا أمير المؤمنين فلتخدمك قال من اين ملكتها قالت جئت بها من بيت أبى عبد الملك ففتش عن تملكه إياها فقيل إنه كان على فلان العامل ديون فلما توفى أخذت من تركته ففتش عن حال العامل واحضر ورثته وأرضاهم جميعا بإعطاء المال ثم بوجه إلى الجارية وكان يهواها هوى شديدا فقال أنت حرة لوجه اللّه فقيل لم يا أمير المؤمنين وقد ازحت عن أمرها كل شبهة قال لست إذا ممن نهى النفس عن الهوى - يحكى - ان الربيع ضربه الفالج فكان السائل يقوم على بابه فيسأل فيقول الربيع أطعميه السكر فان الربيع يحب السكر يتأول قوله
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
وطال به وجعه فاشتهى لحم دجاج فكف نفسه أربعين يوما فأبت فقال لزوجته قد اشتهيت لحم دجاج منذ أربعين يوما فكففت نفسي رجاء ان تكف فأبت فقالت امرأته سبحان اللّه وأي شئ هذا تكف نفسك عنه وقد أحله اللّه تعالى لك فأرسلت امرأته إلى السوق فاشترت له دجاجة بدرهم ودانقين فذبحتها وشوتها وخبزت له خبزا وجعلت له اصباغا ثم جاءت بالخوان فوضعته بين يديه فقام سائل على الباب فقال تصدقوا على بارك اللّه فيكم فكف عن الاكل وقال لامرأته خذي هذا وادفعيه اليه فقالت له امرأته سبحان اللّه قال افعلي ما آمرك به قالت فاصنع ما هو خير له قال وما هو قالت نعطيه ثمن هذا وتأكل أنت شهوتك قال قد .
تفسير روح البيان — صفحة 63 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي