وقد جرت سنة اللّه في دار التكليف على أن كل فعل يقصد العبد إلى تحصيله فان اللّه تعالى يحلقه عقب قصد العبد فكأنه تعالى قال كيف يخلق فيهم المعرفة والاهتداء وهم فصدوا تحصيل الكفر وأرادوه
وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ
اى صادق فيما يقول
وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
اى الشاهد من القرآن على صدقه . قوله وشهدوا عطف على ايمانهم باعتبار انحلاله إلى جملة فعلية فإنه في قوة ان يقال بعد ان آمنوا وبعد ان شهدوا وهو دليل على أن الإقرار باللسان خارج عن حقيقة الايمان ضرورة ان المعطوف مغاير للمعطوف عليه
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
اى الذين ظلموا أنفسهم بالإخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الايمان فكيف من جاء الحق وعرفه ثم اعرض عنه . فان قيل ظاهر الآية يقتضى ان من كفر بعد إسلامه لا يهديه اللّه ومن كان ظالما لا يهديه اللّه وقد رأينا كثيرا من المرتدين اسلموا وهداهم وكثيرا من الظالمين تابوا عن الظلم . فالجواب ان معناه لا يهديهم ما داموا مقيمين على الرغبة في الكفر وفي الثبات عليه ولا يقبلون على الإسلام واما إذا تحروا إصابة الحق والاهتداء بالأدلة المنصوبة فحينئذ يهديهم اللّه بخلق الاهتداء فيهم
أُولئِكَ
المذكورون باعتبار اتصافهم بمامر من الصفات الشنيعة
جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ
وهو ابعاده من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب
وَالْمَلائِكَةِ
ولعنهم بالقول كالناس
وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
والمراد بالناس المؤمنون لأنه لواريد به جميع الناس لزم ان يلعن كل واحد منهم جميع من يوافقهم ويخالفهم ولا وجه لان يلعن الإنسان من يوافقه ويحتمل ان يراد به الجميع بناء على أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ولكنه يعتقد في نفسه انه ليس بمبطل ولا كافر فإذا لعن الكافر وكان هو في علم اللّه كافرا فقد لعن نفسه وان كان لا يعلم ذلك
خالِدِينَ فِيها
حال من الضمير في عليهم اى في اللعنة والعقوبة ومعنى الخلود في اللعن انهم يوم القيامة لا تزال تلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار ولا يخلو شئ من أحوالهم من اللعنة
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
الانظار التأخير اى لا يجعل عذابهم أخف ولا يؤخر العقاب من وقت إلى وقت فان العذاب الملحق بالكفار مضرة خالصة من شوائب المنافع دائمة غير منقطعة نعوذ باللّه من ذلك وما يؤدى اليه
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ
اى من بعد الارتداد
وَأَصْلَحُوا
اى ما أفسدوا
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فيقبل توبتهم ويتفضل عليهم وعطف قوله
وَأَصْلَحُوا
على قوله
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا
يدل على أن التوبة وحدها وهي الندم على ما مضى من الارتداد والعزم على تركه في المستقبل لا تكفى حتى ينضاف إليها العمل الصالح اى وأصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات ومع الخلق بالمعاملات وهذا الندم والتوبة انما يحصل لمن لم ترسخ فيه بعد هيئة استيلاء النفس الامارة على قلبه ولم تصر رينا وبقي فيه من وراء حجاب صفات النفس مسكة من نور استعداده فيتداركه اللّه برحمته وتوفيقه فيندم ويواظب على الرياضات من باب التزكية والتصفية - يحكى - عن السرى السقطي قدس سره أنه قال قلت يوما عجبت من ضعيف عصى قويا فلما كان الغداة وصليت الغداة إذا انا بشاب قد وافى وخلفه ركبان على دواب بين يديه غلمان وهو راكب على دابة فنزل وقال أيكم السرى السقطي فأومأ