تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
هو الإسلام بعد مبعثه لما كذبوه وبغوا عليه وحسدوه . قال الشيخ نجم الدين في تأويلاته ان النصارى لما أرادوا ان يسلكوا طريق الحق بقدم الفعل وينظروا إلى أحوال الأنبياء بنظر العقل تاهوا في أودية الشبهات وانقطعوا في بوادي الهلكات جل جناب القدس عن ادراك عقول الانس هيهات هيهات وهذا حال من يحذو حذوهم ويقفوا اثرهم فاطرت النصارى عيسى عليه السلام إذ نظروا بالعقل في امره فوجدوه مولودا من أم بلا أب فحكم عقلهم ان لا يكون مولود بلا أب فينبغي ان يكون هو ابن اللّه واستدلوا على ذلك بأنه يخلق من الطين كهيئة الطير ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ويخبر عما يأكلون في بيوتهم وما يدخرون وهذا من صفات اللّه تعالى ولو لم يكن المسيح ابن اللّه لما أمكنه هذا وانما أمكنه لان الولد سرابيه وقال بعضهم ان المسيح لما استكمل تزكية النفس عن صفات الناسوتية حل لاهوتية الحق في مكان ناسوتيته فصار هو اللّه تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ثم اعلم أن أمة محمد لما سلكوا طريق الحق باقدام جذبات الألوهية على وفق المتابعة الحبيبية أسقط عنهم كلفة الاستدلال ببراهين الوصول والوصال كما كان حال الشبلي حين غسل كتبه بالماء وكان يقول نعم الدليل أنتم ولكن اشتغالي بالدليل بعد الوصول إلى المدلول محال : وفي المثنوى
چون شدى بر بامهاى آسمان * سرد باشد جست وجوى نردبان
آينه روشن كه شد صاف وجلى * جهل باشد بر نهادن صيقلى
پيش سلطان خوش نشسته در قبول * جهل باشد جستن نامه ورسول
فهؤلاء القوم بعد ما وصلوا إلى سرادقات حضرة الجلال شاهدوا بأنوار صفات الجمال ان الإنسان هو الذي حمل أمانة الحق من بين سائر المخلوقات وهي نور فيض الألوهية بواسطة الأنبياء فهم مخصوصون بأحسن التقويم في قبول هذا الكمال فتحقق لهم ان عيسى عليه السلام صار قابلا بعد التزكية للتخلية بفيض الخالقية والمحبية كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن اللّه ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن اللّه لا باذنه اعني كان صورة الفعل منه ومنشأ صفة الخالقية حضرة الألوهية وهذا كما أن لكرة البلور المخروط استعدادا في قبول فيض الشمس إذا كانت في محاذاتها فتقبل الفيض وتحرق المحلوج المحاذي لها بذلك الفيض فمصدر الفعل المحرق من الكرة ظاهرا ومنشأ الصفة المحرقية حضرة الشمس حقيقة فصار للكرة بحسن الاستعداد قابلية لفيض الشمس وظهر منها صفات الشمس وما جلت الشمس في كرة البلور تفهم ان شاء اللّه وتغتنم فكذلك حال الأنبياء في المعجزات وكبار الأولياء في الكرامات والفرق ان الأنبياء مستقلون بهذا المقام والأولياء متبعون . قال الامام الغزالي في قول أبى يزيد انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها فنظرت فإذا انا هو إذ من انسلخ من شهوات نفسه وهواها وهمها لا يبقى فيه متسع لغير اللّه ولا يكون له هم سوى اللّه وإذا لم يحل في القلب الا جلال اللّه وجماله صار مستغرقا كأنه هو لا انه هو تحقيقا . وقوله أيضا سبحانى ما أعظم شأني يحمل على أنه قد شاهد كمال حظه من صفة القدس فقال سبحانى ورأى عظيم شأنه بالإضافة إلى شأن عموم الخلق فقال ما أعظم شأني وهو مع ذلك يعلم قدسه وعظم شأنه بالإضافة