تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
الرشوة ليدفع الخوف عن نفسه أو يرشوه ليسوى امره بينه وبين السلطان أو يرشوه ليتقلد القضاء من السلطان أو يرشو القاضي ليقضى له . ففي الوجه الأول لا يحل الاخذ لان الكف عن التخويف كف عن الظلم وانه واجب حقا للشرع فلا يحل اخذه لذلك ويحل للمعطى الإعطاء لأنه جعل المال وقاية للنفس وهذا جائز موافق للشرع . وفي الوجه الثاني أيضا لا يحل الاخذ لان القيام بأمور المسلمين واجب بدون المال فلا يحل له الاخذ . وفي الوجه الثالث لا يحل له الاخذ والإعطاء واما الرابع فحرام الاخذ سواء كان القضاء بحق أو ظلم . اما الظلم فلوجهين . أحدهما انه رشوة . والثاني انه سبب للقضاء بالجور . واما الحق فلوجه واحد وهو انه أخذ المال لإقامة الواجب . واما العطاء فإن كان بجور لا يجوز وان كان بحق جاز . قال ابن مسعود رضى اللّه عنه من شفع شفاعة يرد بها حقا أو يدفع بها ظلما فاهدى له فقبل فهو سحت . وفي نصاب الاحتساب ان المحتسب أو القاضي إذا اهدى اليه ممن يعلم أنه يهدى لاحتياجه إلى القضاء والحسبة لا يقبل ولو قبل كان رشوة واما ممن يعرف انه يهدى للتودد والتحبب لا للقضاء والحسبة فلا بأس به وكان الصحابة رضى اللّه عنهم يتوسعون في قبول الهدايا بينهم وهذا لان الهدية كانت عادتهم وكانوا لا يلتمسون منهم شيأ وانما كانوا يهدون لأجل التودد والتحبب وكانوا يستوحشون برد هداياهم فلا يكون فيه معنى الرشوة فلهذا كانوا يقبلونها . قال قوم ان صلات السلاطين نحل للغنى والفقير إذا لم يتحقق انها حرام وانما التبعة على المعطى قالوا لان النبي صلى اللّه عليه وسلم قبل هدية المقوقس ملك الإسكندرية واستقرض من اليهود مع قول اللّه تعالى
أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ
واما حال السوق فمتى علمت أن الحرام هو الأكثر فلا تشتر الا بعد التفتيش وان كان كثيرا وليس بالأكثر فلك السؤال ولقد كان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه يشترون من الأسواق مع علمهم بان فيهم أهل الربا والغصب والغلول . قال الحدادي ومن السحت ثمن الخمر والخنزير والميتة وعسب الفحل واجرة النائحة والمغنية والساحر وهدية الشفاعة ومهر البغي وحلوان الكاهن هكذا . قال عمر وعلى وابن عباس رضى اللّه عنهم قالوا والمال الذي يأخذه المغني والقوال ونحوهما حكم ذلك أخف من الرشوة فان صاحب المال أعطاه عن غير اختيار بغير عقد . قال ابن كيسان سمعت الحسن يقول إذا كان لك على رجل دين فأكلت في بيته فهو سحت . فعليك أيها المؤمن المتقى بالاحتياط في أمورك حتى لا تقع في الشبهات بل في الحرام وانما تحصل التصفية للقلب بأكل الغذاء الحلال : قال الحافظ
صوفي شهر بين كه چون لقمهء شبهه ميخورد * پاردمش دراز باد اين حيوان خوش علف
والمقصود من البيت تشبيه الذي لا يحترز عن الشبهات بالحيوان في الاكل من كل ما يجده من غير تفرقة ولان تناول الشبهات من كمال الحرص لأنه لو لم يكن له حرص لكان له قناعة بالحلال ولو قليلا والحيوان يعظم من كثرة الاكل والشرب والنوم وهي حكم الطبيعة
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ
حال كونها
فِيها هُدىً
تهدى شرائعها وأحكامها إلى الحق وترشد الناس اليه
وَنُورٌ
تكشف ما انبهم من الاحكام وما يتعلق بها من المستورة بظلمات الجهل
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
اى أنبياء بني إسرائيل اى يحكمون باحكامها ويحملون الناس عليها
الَّذِينَ أَسْلَمُوا
ان قلت