حقوق نعمته فلا تخلوا بشكرها
وَعَلَى اللَّهِ
اى عليه تعالى خاصة دون غيره استقلالا واشتراكا
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
فإنه يكفيهم في إيصال كل خير ودفع كل شر . واعلم أن التوكل عبارة عن الاعتصام باللّه تعالى في جميع الأمور ومحله القلب والحركة بالظاهر لا تنافى توكل القلب بعد ما تحقق للعبد ان التقدير من قبل اللّه فان تعسر شئ فبتقديره . وأعلى مراتب التوكل ان يكون بين يدي اللّه تعالى كالميت بين يدي الغاسل تحركه القدرة الأزلية وهو الذي قوى يقينه ألا ترى إلى إبراهيم عليه السلام لما هم نمرود وقومه ان يبسطوا اليه أيديهم فرموه في النار جاءه جبريل وهو في الهواء فقال ألك حاجة قال أما إليك فلا وفاه بقوله حسبي اللّه ونعم الوكيل وانظر إلى حقيقة توكل النبي عليه السلام حيث كف اللّه عنه وعن أصحابه أيدي المشركين رأسا فلم يقدروا ان يتعرضوا له بل ابتلوا في أغلب الأحوال بما لا يخطر ببالهم من البلايا جزاء لهم على همهم بالسوء : وفي المثنوى
قصه عاد وثمود از بهر چيست * تا بدانى كه أنبيا را ناز كيست
فالتوكل من معالى درجات المقربين فعلى المؤمن ان يتحلى بالصفات الحميدة ويسير في طريق الحق بسيرة حسنة . ودخل حكيم على رجل فرأى دارا متجددة وفرشا مبسوطة ورأى صاحبها خاليا من الفضائل فتنحنح فبزق على وجهه فقال ما هذا السفه أيها الحكيم فقال بل هو عين الحكمة لان البصاق لزق إلى اخس ما كان في الدار ولم ار في دارك اخس منك لخلوك عن الفضائل الباطنة فنبه بذلك على دناءته وقبحه لكونه مسترسلا في لذاته مستغرقا أوقاته لعمارة ظاهره : قال الحافظ رحمه اللّه
قلندران حقيقت بنيم جو نخرند * قباى اطلس آنكس كه از هنر عاريست
* ثم اعلم أن كل شئ بقضاء اللّه تعالى وان اللّه يختبر عباده بما أراد فعليهم ان يعتمدوا عليه في العسر واليسر والمنشط والمكره . وعن أبي عثمان قال كان عيسى عليه السلام يصلى على رأس جبل فاتاه إبليس فقال أنت الذي تزعم أن كل شئ بقضاء قال نعم قال الق نفسك من الجبل وقل قدر علىّ قال يا لعين اللّه يختبر العباد وليس العباد يختبرون اللّه وما على العبد الا التوكل والشكر على الانعام . ومن جملة انعام اللّه تعالى الإخراج من ظلمة العدم إلى نور الوجود بأمر كن واللّه يعلم أن رجوع العباد إلى العدم ليس بهم ولا إليهم كما لم يكن خروجهم بهم فان خروجهم كان بجذبة امر كن فكذلك رجوعهم لا يكون الا بجذبة امر ارجعي فعليهم ان يكونوا واثقين بكرم اللّه وفضله مسارعين في طلب مرضاة اللّه جاهدين على وفق الأوامر والنواهي في اللّه ليهديهم إلى جذبات عنايته ولطفه
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ
اى باللّه قد أخذ اللّه عهد طائفة اليهود والالتفات في قوله تعالى
وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً
للجرى على سنن الكبرياء أو لان البعث كان بواسطة موسى عليه السلام كما سيأتي اى شاهدا من كل سبط ينقب عن أحوال قومه ويفتش عنها أو كفيلا يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به . وقد روى أن النبي عليه السلام جعل للأنصار ليلة العقبة اثنى عشر نقيبا وفائدة النقيب ان القوم إذا علموا ان عليهم نقيبا كانوا أقرب إلى الاستقامة . والنقيب والعريف