ابن النعمان في جراب دقيق فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه فخبأها عند زيد بن السمين اليهودي فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فاخذوها فقال دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود على ذلك فقالت بنوا ظفر انطلقوا بنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألوه ان يجادل اليهودي ليدفع فضيحة البهتان عن صاحبهم طعمة وقالوا له عليه السلام ان يعاقب اليهودي ويقطع يده بناء على شهادة قوم طعمة على براءته وعلى أن اليهودي هو السارق ولم يظهر له عليه السلام ما يوجب القدح في شهادتهم بناء على كون كل واحد من الشاهد والمشهود له من المسلمين ظاهرا فلذلك مال طبعه إلى نصرة الخائن والذب عنه الا انه لم يحكم بذلك بل توقف وانتظر الوحي فنزلت الآية ناهية عنه ومنبهة على أن طعمة وشهوده كاذبون وان اليهودي برئ من ذلك الجرم
لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ
اى بما عرفك وأوحى به إليك . فاراك ليس من الرؤية البصرية ولا من التي بمعنى العلم والا لاستدعى ثلاثة مفاعيل بل هو منقول من رأيت بمعنى الاعتقاد والمعرفة وسميت المعرفة المذكورة رؤية لكونها جارية مجرى الرؤية في القوة والظهور والخلوص من وجوه الريب
وَلا تَكُنْ
اى فاحكم به ولا تكن
لِلْخائِنِينَ
اى لأجلهم والذب عنهم وهم طعمة ومن يعينه فإنه روى أن قومه علموا ان تلك السرقة عمل طعمة بناء على أنه سارق في الجاهلية لكنهم بيتوا طول ليلهم واتفقوا على أن يشهدوا بالسرقة على اليهودي دفعا عن طعمة عقوبة السرقة فلذلك وصفهم اللّه جميعا بالخيانة أو المراد بالخائنين هو وكل من يتسير بسيرته
خَصِيماً
اى مخاصما للبراء اى لا تخاصم اليهودي لا جلهم
وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ
مما هممت به تعويلا على شهادتهم . قال ابن الشيخ ولما صدر عنه عليه السلام الهم بذلك الحكم الذي لو وقع لكان خطأ في نفسه امر اللّه تعالى إياه عليه السلام بان يستغفر لهذا العذر وان كان معذورا فيه عند اللّه بناء على أن حسنات الأبرار سيآت المقربين
إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً
مبالغا في المغفرة والرحمة لمن يستغفره
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ
الاختيان والخيانة بمعنى اى يخونونها بالمعصية وانما قال يختانون أنفسهم وان كانوا ما خانوا أنفسهم لان مضرة خيانتهم راجعة إليهم كما يقال فيمن ظلم غيره ما ظلم الا نفسه كذا في تفسير الحدادي والمراد بالموصول اما طعمة وأمثاله واما هو ومن عاونه وشهد ببراءته من قومه فإنهم شركاء له في الإثم والخيانة
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
عدم المحبة كناية عن البغض والسخط
مَنْ كانَ خَوَّاناً
مفرطا في الخيانة مصرا عليها
أَثِيماً
منهمكا فيها اطلق على طعمة لفظ المبالغة الدال على تكرر الفعل منه مع أن الصادر منه خيانة واحدة واثم واحد لكون طبعه الخبيث مائلا إلى تكثير كل واحد من الفعلين . وقد روى أنه هرب إلى مكة وارثد ونقب حائطا بها ليسرق متاع أهله فسقط الحائط عليه فقتله قيل إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . وعن عمر رضى اللّه عنه انه امر بقطع يد سارق فجاءت أمه تبكى وتقول هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه فقال كذبت ان اللّه لا يؤاخذ عبده في أول مرة
يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ
يستترون منهم حياء وخوفا من ضررهم
وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ
اى لا يستحيون منه سبحانه وهو أحق بان يستحيى