تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
بكون ذلك المتحول بحيث يصل المهاجر بما فيه من الخير والنعمة إلى ما يكون سببا لرغم انف قومه الذين هاجرهم . والرغم الذل والهوان وأصله لصوق الانف بالرغام وهو التراب يقال ارغم اللّه انفه اى ألصقه بالرغام ولما كان الانف من جملة الأعضاء في غاية العزة والتراب في غاية الذلة جعل قولهم رغم انفه كناية عن الذلة
وَسَعَةً
في الرزق واظهار الدين
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً
اى مفارقا قومه وأهله وولده
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ
اى إلى طاعة اللّه وطاعة رسوله
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ
اى قبل ان يصل إلى المقصد وان كان ذلك خارج بابه كما ينبئ عنه إيثار الخروج من بيته على المهاجرة
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
الوقوع والوجوب متقاربان والمعنى ثبت اجره عند اللّه ثبوت الأمر الواجب
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً
مبالغا في المغفرة فيغفر له ما فرط منه من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج
رَحِيماً
مبالغا في الرحمة فيرحمه بإكمال ثواب هجرته - روى - ان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما بعث بالآيات المحذرة عن ترك الهجرة إلى مسلمى مكة . قال جندب بن ضمرة من بنى الليث لبنيه وكان شيخا كبيرا لا يستطيع ان يركب الراحلة احملوني فانى لست من المستضعفين وانى لأهتدى الطريق ولي من المال ما يبلغني المدينة وابعد منها واللّه لا أبيت الليلة بمكة فحملوه على سرير متوجها إلى المدينة فلما بلغ التنعيم وهو موضع قريب من مكة اشرف على الموت فاخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك فمات حميدا فلما بلغ خبره أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا لو توفى بالمدينة لكان أتم اجرا وقال المشركون وهم يضحكون ما أدرك هذا ما طلب فانزل اللّه هذه الآية فمن هذا قالوا المؤمن إذا قصد طاعة ثم أعجزه العذر عن إتمامها كتب اللّه له ثواب تمام تلك الطاعة . وفي الكشاف قالوا كل هجرة لغرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا في الدنيا أو ابتغاء رزق طيب فهي هجرة إلى اللّه ورسوله وان أدركه الموت في طريقه فاجره واقع على اللّه انتهى . قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده أفندي قدس سره من مات قبل الكمال فمراده يجيئ اليه كما أن من مات في طريق الكعبة يكتب له اجر حجين . يقول الفقير سمى الذبيح المتخلص بحقي سمعت مرة شيخى العارف العلامة أبقاه اللّه بالسلامة وهو يقول عند تفسير هذه الآية ان الطالب الصادق إذا سافر من ارض بشريته إلى مقام القلب فمات قبل ان يصل إلى مراده فله نصيب من اجر البالغين إلى ذلك المقام لصدق طلبه وعدم انقطاعه عن الطريق إلى حد الموت بل اللّه يكمله في عالم البرزخ بوساطة روح من ارواحه أو بوساطة فيضه . ومثل هذا جاء في حق بعض السلاك وله نظير في الشريعة كما روى عن الحسن البصري رحمه اللّه أنه قال بلغني ان المؤمن إذا مات ولم يحفظ القرآن امر حفظته ان يعلموه القرآن في قبره حتى يبعثه اللّه تعالى يوم القيامة مع أهله فإذا كان طالب القرآن الرسمي بالغا إلى مراده وانّ في البرزخ لحرصه على التحصيل فليس ببدع ان يكون طالب القرآن الحقيقي وأصلا إلى مرامه في عالم المثال المقيد لشغفه على التكميل . أقول واما ما قال الشيخ الكبير صدر الدين القنوى قدس سره في الفلك الآخر من الفلوك من المتفق شرعا وعقلا وكشفا ان كل كمال لم يحصل للانسان
تفسير روح البيان — صفحة 271 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي