في هذه النشأة وهذه الدار فإنه لا يحصل له بعد الموت في الدار الآخرة انتهى فلعله في حق أهل الحجاب الذين قعدوا عن الطلب رأسا لا في حق أهل الحجاب الذين سلكوا فماتوا قبل الوصول إلى مكاشفة الافعال ومشاهدة الصفات ومعاينة الذات . قال المولى الجامي في شرح الكلمة الشعيبية من الفصوص الحكمية فما يدل على عدم الترقي بعد الموت من قوله تعالى
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى
الآية انما هو بالنسبة إلى معرفة الحق لا لمن لا معرفة له أصلا فإنه إذا انكشف الغطاء ارتفع العمى بالنسبة إلى الدار الآخرة ونعيمها وجحيمها والأحوال التي فيها واما قوله عليه السلام ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله ) فهو يدل على أن الأشياء التي يتوقف حصولها على الأعمال لا تحصل وما لا يتوقف عليها بل يحصل بفضل اللّه ورحمته فقد يحصل وذلك من مراتب التجافي انتهى كلامه . فعلى السالك ان لا ينقطع عن الطريق ويرجو من اللّه التوفيق كي يصل إلى منزل التحقيق : قال الحافظ الشيرازي
كاروان رفت تو در راه كمينگاه بخواب * وه كه بس بيخبر از غلغل چندين جرسى
بال بگشاى صفير از شجر طوبى زن * حيف باشد چو تو مرغى كه أسير قفسى
تا چو مجمر نفسي دامن جانان گيرم * جان نهاديم بر آتش ز پى خوش نفسي
چند پويد بهواي تو بهر سو حافظ * يسر اللّه طريقا بك يا ملتمسى
وفي التأويلات النجمية ان الإشارة في الآية من غاية ضعف الإنسان وحياته الحيوانية واستهواء الشيطان يكون الخوف غالبا على الطالب الصادق في بدء طلبه فكما أراد أن يسافر عن الأوطان ويهاجر عن الاخوان طالبا فوائد إشارة سافروا لتصحوا وتغنموا لا زالة مرض القلب ونيل صحة الدين والفوز بغنيمة صحبة شيخ كامل مكمل وطبيب حاذق مشفق ليعالج مرض قلبه ويبلغه كعبة طلبه فتسول له النفس اعداد الرزق وعدم الصبر ويعده الشيطان بالفقر فقال تعالى على قضية
وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
اى طلب اللّه
يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً
اى بلادا أطيب من بلاده وإخوانا في الدين أحسن من إخوانه
وَسَعَةً
في الرزق . وفيه إشارة أخرى وهي ومن يهاجر عن بلد البشرية في طلب حضرة الربوبية يجد في ارض الانسانية مراغما كثيرا اى متحولا ومنازل مثل القلب والروح والسر وسعة اى وسعة في تلك العوالم الوسيعة أو سعة من رحمة اللّه كما اخبر اللّه تعالى على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام عن تلك الوسعة والسعة بقوله ( لا يسعني ارضى ولا سمائي وانما يسعني قلب عبدي المؤمن ) فافهم يا كثير الفهم قصير النظر قليل العبر ثم قال دفعا للهواجس النفسانية والوساوس الشيطانية في التخويف بالموت والإيعاد بالفوت
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ
إلى بيت بشريته بترك الدنيا وقمع الهوى وقهر النفس بهجران صفاتها وتبديل أخلاقها
مُهاجِراً
إلى اللّه طالباله في مبايعة رسوله
ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ
قبل وصوله
فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ
يعنى فقد أوجب اللّه تعالى على ذمة كرمه بفضله ورحمته ان يبلغه إلى أقصى مقاصده وأعلى مراتبه في الوصول بناء على صدق نيته وخلوص طويته إذا كان المانع من اجله ونية المؤمن خير من عمله
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً
لذنب بقية انانية وجوده
رَحِيماً
عليه بتجلى صفة جوده ليبلغ