تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
وفي الآية الكريمة ارشاد إلى وجوب المهاجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة أمور دينه بأي سبب كان . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم ( من فر بدينه من ارض إلى ارض وان كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليه السلام ) قال الحدادي في تفسيره في قوله تعالى
أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
دليل انه لا عذر لاحد في المقام على المعصية في بلده لأجل المال والولد والأهل بل ينبغي ان يفارق وطنه ان لم يمكنه اظهار الحق فيه ولهذا روى عن سعد بن جبير أنه قال إذا عمل بالمعاصي بأرض فأخرج منها
سعديا حب وطن گرچه حديث است صحيح * نتوان مرد بسختى كه من اينجا ز آدم
والإشارة في الآية ان المؤمن عام وخاص وخاص الخاص كقوله
فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
وهو العام
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
وهو الخاص
وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ
وهو خاص الخاص
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ
هم العوام الذين ظلموا أنفسهم بتدسيتها من غير تزكيتها عن أخلاقها الذميمة وتحليتها بالأخلاق الحميدة ليفلحوا فحابوا وخسروا كما قال تعالى
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها
قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ
اى قالت الملائكة حين قبضوا أرواحهم في أي غفلة كنتم تضيعون اعماركم وتبطلون استعدادكم الفطري وفي أي واد من أو دية الهوى تهيمون وفي أي روضة من رياض الدنيا كنتم تؤثرون الفاني على الباقي وتنسون الطهور والساقي وإخوانكم يجاهدون في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم ويهاجرون عن الأوطان ويفارقون الاخوان والأخدان
قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ
اى عاجزين في استيلاء النفس الامارة وغلبة الهوى مأسورى الشيطان في حبس البشرية
قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ
اى ارض القلب
واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها
فتحرجوا من مضيق ارض البشرية فتسلكوا في فسحة عالم الروحانية بل تطيروا في هواء الهوية
فَأُولئِكَ
يعنى ظالمي أنفسهم
مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ
البعد عن مقامات القرب
وَساءَتْ مَصِيراً
جهنم البعد لتاركى القرب والمتقاعدين عن جهاد النفس
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ
الذي صفتهم
لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
في الخروج عن الدنيا لكثرة العيال وضعف الحال ولا على قهر النفس وغلبة الهوى ولا على قمع الشيطان في طلب الهدى
وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
إلى صاحب ولاية يتمسكون بعروته الوثقى ويعتصمون بحبل إرادته في طلب المولى فيخرجهم من ظلمات ارض البشرية إلى نور سماء الربوبية على أقدام العبودية وهم المقتصدون المشتاقون ولكنهم بحجب الأنانية محجوبون ومن شهود جمال الحق محرومون فعذرهم بكرمه ووعدهم رحمته وقال
فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ
السكون عن اللّه والركون إلى غير اللّه
وَكانَ اللَّهُ
في الأزل
عَفُوًّا
ولعفوه أمكنهم التقصير في العبودية
غَفُوراً
ولغفرانه أمهلهم في إعطاء حق الربوبية كذا في التأويلات النجمية
وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ترغيب في المهاجرة وتأنيس لها وسبيل اللّه ما امر بسلوكه
يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً
اى متحولا يتحول اليه ومهاجرا وانما عبر عنه بذلك تأكيدا للترغيب لما فيه من الاشعار
تفسير روح البيان — صفحة 270 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي