أو باجرائها مجرى شبهها من كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي راعنا كانوا يخاطبون به النبي صلى اللّه عليه وسلم ينوون الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير والاحترام . فان قلت كيف جاؤوا بالقول المحتمل ذي الوجهين بعد ما صرحوا وقالوا سمعنا وعصينا . قلت جميع الكفرة كانوا يواجهونه بالكفر والعصيان ولا يواجهونه بالسب ودعاء السوء حشمة منه عليه السلام وخوفا من بطش المؤمنين
لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ
انتصابه على العلية اى يقولون ذلك للفتل بها ولصرف الكلام عن نهجه إلى نسبة السب حيث وضعوا غير مسمع موضع لا استمعت مكروها واجروا راعنا المشابهة لراعينا مجرى انظرنا أو فتلابها وضما لما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السب والتحقير
وَطَعْناً فِي الدِّينِ
اى قدحا فيه بالاستهزاء والسخرية
وَلَوْ أَنَّهُمْ
عندما سمعوا شيأ من أوامر اللّه ونواهيه
قالُوا
بلسان المقال أو بلسان الحال مكان قولهم سمعنا وعصينا
سَمِعْنا وَأَطَعْنا
وبدل قولهم واسمع غير مسمع
وَاسْمَعْ
ولا يلحقون به غير مسمع وبدل قولهم راعنا
وَانْظُرْنا
ولم يدسوا تحت كلامهم شرا وفسادا اى لو ثبت انهم قالوا هذا مكان ما قالوا من الأقوال
لَكانَ
قولهم ذلك
خَيْراً لَهُمْ
مما قالوا
وَأَقْوَمَ
اى اعدل وأسد في نفسه وأصوب من القيم اى المستقيم قالوا لما لم يكن في الذي اختاروه خير أصلا لم جعل هذا خيرا من ذلك وجوابه انه كذلك على زعمهم فخوطبوا على ذلك وهو كقوله
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
اى ولكن قالوا ذلك واستمروا على كفرهم فخذلهم اللّه وابعدهم عن الهدى بسبب كفرهم ذلك
فَلا يُؤْمِنُونَ
بعد ذلك
إِلَّا قَلِيلًا
استثناء من ضمير المفعول في لعنهم اى ولكن لعنهم اللّه الا فريقا قليلا فإنه تعالى لم يلعنهم فلم ينسد عليه باب الايمان وقد آمن بعد ذلك فريق من الأحبار كعبد اللّه بن سلام وكعب واضرابهما وهو استثناء من ضمير لا يؤمنون اى لا يؤمنون الا ايمانا قليلا وهو ايمانهم بموسى وكفرهم بمحمد عليهما السلام . والإشارة ان العلماء السوء من هذه الأمة
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
بالفعال لا بالمقال كما كان أهل الكتاب يحرفونه بالمقال
وَيَقُولُونَ سَمِعْنا
بالمقال فيما امر اللّه به من ترك الدنيا وزينتها واتباع الهوى ومن إيثار الآخرة على الأولى والانقطاع عن الخلق في طلب المولى
وَعَصَيْنا
بالفعال إذ لا يشمون روائح هذه المعاملات ولا يدورون حول هذه المقامات وينكرون على أهل هذه الكرامات ويستهزؤن بأنواع المقالات فلا يؤمنون بالقلوب السليمة الا قليلا منهم بان يكفروا بهوى نفوسهم ويؤمنوا بالايمان الحقيقي الذي هو من نتائج الإرادة والصدق في طلب الحق والإخلاص في العمل للّه وترك الدنيا وزخارفها بل بذل الوجود في طلب المعبود : قال العطار قدس سره
مشو مغرور اين نطق مزور * بنادانى مكن خود را تو سرور
اگر علم همه عالم بخوانى * چو بي عشقى ازو حروفى ندانى
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( من تعلم علما لا يبتغى به وجه اللّه تعالى لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة ) اى ريحها . قال الشيخ الشاذلي العلم النافع هو الذي يستعان به على طاعة اللّه ويلزمك المخافة من اللّه والوقوف على حدود اللّه وهو علم المعرفة