تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
ان كل نفس مستعدة للفناء في اللّه فلا بدلها من موت فمن كان موته بالأسباب تكون حياته بالأسباب ومن كان فناؤه في اللّه يكون بقاؤه باللّه
وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ
على قدر تقواكم وفجوركم
فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ
اى عن نار القطيعة واخرج من جحيم الطبيعة على قدمي الشريعة والطريقة
وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ
الحقيقية
فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا
ونعيمها
إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
أي متاع يغتر به المغرور والممكور
لَتُبْلَوُنَّ
أصل الابتلاء الاختبار اى تطلب الخبرة بحاله المختبر بتعريضه لامر يشق عليه غالبا ملابسة أو مفارقة وذلك انما يتصور ممن لا وقوف له على عواقب الأمور واما من جهة العليم الخبير فلا يكون الا مجازا من تمكينه للعبد من اختيار أحد الامرين أو الأمور قبل ان يرتب عليه شيأ هو من مباديه العادية . والجملة جواب قسم محذوف اى واللّه لتعاملن معاملة المختبر ليظهر ما عندكم من الثبات على الحق والأعمال الحسنة
فِي أَمْوالِكُمْ
بما يقع فيها من ضروب الآفات المؤدية إلى الهلاك
وَأَنْفُسِكُمْ
بالقتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أصناف المتاعب والمخاوف والشدائد ونحو ذلك
وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ
اى من قبل ايتائكم القرآن وهم اليهود والنصارى
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
من العرب كأبى جهل والوليد وأبي سفيان وغيرهم
أَذىً كَثِيراً
من الطعن في الدين الحنيف والقدح في احكام الشرع الشريف وصد من أراد ان يؤمن وتخطئة من آمن وما كان من كعب بن الأشرف وأصحابه من هجاء المؤمنين وتحريض المشركين على مضادة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونحو ذلك مما لا خير فيه أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال على المكروه ويستعدوا للقائها فان هجوم الاوجال مما يزلزل أقدام الرجال والاستعداد للكروب مما يهون الخطوب
وَإِنْ تَصْبِرُوا
على تلك الشدائد والبلوى عند ورودها وتقابلوها بحسن التقابل
وَتَتَّقُوا
اى تتبتلوا إلى اللّه تعالى بالكلية معرضين عما سواه بالمرة بحيث يتساوى عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه
فَإِنَّ ذلِكَ
يعنى الصبر والتقوى
مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
من معزوماتها التي تنافس فيها المتنافسون اى مما يجب ان يعزم عليه كل أحد لما فيه من كمال المزية والشرف أو مما عزم اللّه تعالى عليه وامر به وبالغ فيه يعنى ان ذلك عزمة من عزمات اللّه لا بد ان تصبروا وتتقوا . واعلم أن مقابلة الإساءة تفضى إلى ازدياد الإساءة فامر بالصبر تقليلا لمضار الدنيا وامر بالتقوى تقليلا لمضار الآخرة فالآية جامعة لآداب الدنيا والآخرة . فعلى العاقل ان يتخلق بأخلاق الأنبياء والأولياء ويتأدب بآدابهم فإنهم كانوا يصبرون على الأذى ولا يقابلون السفيه بمثل مقابلته وإذا مروا باللغو مروا كراما
بدى را بدى سهل باشد جزا * اگر مردى أحسن إلى من أساء
وقد مدح اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
قالت عائشة رضى اللّه عنها كان خلق النبي صلى اللّه عليه وسلم القرآن يعنى تأدب بآداب القرآن قيل مدار عظم الخلق بذل المعروف وكف الأذى اى احتماله ورسول اللّه عليه الصلاة والسلام كان موصوفا بها وقد انزل اللّه في معروفه
وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ
وتحمل الأذى انما يكون
تفسير روح البيان — صفحة 140 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي