تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
على أي وجه اتفق هلاككم حسب تعلق الإرادة الإلهية
لَإِلَى اللَّهِ
اى إلى المعبود بالحق العظيم الشان الواسع الرحمة الجزيل الإحسان
تُحْشَرُونَ
لا إلى غيره فيوفى أجوركم ويجزل لكم عطاياكم . واعلم أن هذه الآيات على ترتيب أنيق فإنه قال في الآية الأولى
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ
وهي التجاوز عن السيئات وذلك إشارة إلى من يعبد اللّه خوفا من عقابه ثم قال
وَرَحْمَةٌ
وهي التفضل بالمثوبات وهو إشارة إلى من يعبده ثوابه ثم قال في آخر الآية
لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
وهو إشارة إلى من يعبد اللّه لمجرد الربوبية والعبودية وهذا أعلى المقامات : قال عبد الرحمن الجامي
جانا ز در تو دور نتوانم بود * قانع ببهشت وحور نتوانم بود
سر بر در تو بحكم عشقم نه بمزد * زين در چه كنم صبور نتوانم بود
فبين الحشر إلى مغفرة اللّه والحشر إلى اللّه فرق كثير - روى - ان عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام مر بأقوام نحفت أبدانهم واصفرت وجوههم ورأى عليهم آثار العبادة فقال ماذا تطلبون فقالوا نخشى عذاب اللّه فقال هو أكرم من أن لا يخلصكم من عذابه ثم مر بأقوام آخرين فرأى عليهم تلك الآثار فسألهم فقالوا نطلب الجنة والرحمة فقال هو أكرم من أن يمنعكم رحمته ثم مر بقوم ثالث ورأى آثار العبودية عليهم أكثر فسألهم فقالوا نعبده لأنه الهنا ونحن عبيده لا لرغبة ولا لرهبة فقال أنتم العبيد المخلصون والمتعبدون المحقون
كر كند جاى بدل عشق جمال أزلت * چشم اميد بحوران بهشتى ننهى
كي مسلم شودت عشق جمال أزلي * تا بر آفاق همه تهمت زشتى ننهى
- حكى - ان امرأة قالت لجماعة ما السخاء عندكم قالوا بذل المال قالت هو سخاء أهل الدنيا والعوام فما سخاء الخواص قالوا بذل المجهود في الطاعة قالت ترجون الثواب قالوا نعم قالت تأخذون العشرة بواحد لقوله تعالى
مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
فأين السخاء قالوا فما عندك قالت العمل للّه لا للجنة ولا للنار ولا للثواب وخوف العقاب وذلك لا يمكن الا بالتجريد والتفريد والوصول إلى حقيقة الوجوه . فعلى السالك ان يعرض عن الدنيا والآخرة ويقبل على اللّه حتى يكشف عن وجهه الحجاب ويصل إلى رب الأرباب . قال الامام في تفسيره الإنسان إذا توجه إلى الجهاد اعرض قلبه عن الدنيا واقبل على الآخرة فإذا مات فكأنه تخلص من العدو ووصل إلى المحبوب وإذا جلس في بيته خائفا من الموت حريصا على جمع الدنيا فإذا مات فكأنه حجب عن المعشوق والقى في دار الغربة ولا شك في كمال سعادة الأول وكمال شقاوة الثاني انتهى فحشر الغافلين بالحجاب وحشر الواصلين بإظهار الجناب فمن كان في هذه الدنيا أعمى بحب المال والمنال كان في الآخرة محجوبا عن مشاهدة الجمال
فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ
ما مزيدة للتأكيد اى فبرحمة عظيمة لهم كائنة من اللّه تعالى وهي ربطه على جأشه وتخصيصه بمكارم الأخلاق كنت لين الجانب لهم وعاملتهم بالرفق والتلطف بعد ما كان منهم ما كان من مخالفة أمرك وإسلامك للعدو
وَلَوْ
لم تكن كذلك بل
كُنْتَ فَظًّا
جافيا في المعاشرة قولا وفعلا
غَلِيظَ الْقَلْبِ
قاسيه غير رقيق . فالفظ سيئ الخلق وغليظ