كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وإن كان بالحدس فكالزيت وإن كان بقوّة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضيء لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي والإلهام الذي مثله النار من حيث إنّ العقول تشتعل عنها ثم إذا اتصلت بها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كان كالمصباح فإذا استحضرها كان نورا على نور
يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ
لهذا النور الثاقب
مَنْ يَشاءُ
ذات الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تملمها
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ
أدناء للمعقول من المحسوس توضيحا وبيانا
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
معقولا كان أو محسوسا ظاهرا كان أو
شرح
استعداده للمعقولات الثانية بعد الأولى كالأمي لتعلم الكتابة وهو العقل بالملكة وحصول المعقولات الثانية إمّا بحركة من الذهنية وهو حصول بالفكر أو بحركة الذهن وهو حصول بالحدس ويدخل فيه التعلم . والاستعداد القويّ استعداد المعقولات الثانية بعد حصولها كاستعداد القادر على الكتاب وهو العقل بالفعل والكمال حصول المعقولات الثانية وهو العقل المستفاد والشيخ حمل مفردات التنزيل على هذه المراتب لكن لتلك المفردات ترتيب فيه حيث جعل الزجاجة في المشكاة والمصباح في الزجاجة . وتحقيقه كما في المحاكمات أنّ هناك استعدادا محضا واستعداد اكتساب واستعداد استحضار وحصول ولا شك أنّ استعداد الاكتساب بحسب الاستعداد المحض واستعداد الاستحضار بحسب استعداد الاكتساب فتكون الزجاجة وهي عبارة عن العقل بالملكة إنما هي في المشكاة وهي العقل الهيولاني والمصباح وهو العقل بالفعل في الزجاجة التي هي العقل بالملكة لأنه إنما يحصل باعتبار هو حصول العقل أولا .
والعقل بالملكة إنما يخرج بالقوّة إلى الفعل فالفكر والحدس والشجرة الزيتونة إشارة إلى الحدس ويكاد زيتها يضيء إشارة إلى القوّة القدسية فإن قلت هذا لا ينطبق على النظم لأنه وصف الشجرة بتلك الصفات وهذه أمور متباينة لا يجوز وصف أحدها بالآخر . قلت الشجرة الزيتونة شيء واحد . فإذا ترقت في أطوارها حصل لها زيت إذا ترقى وصفا كاد يضيء وكذلك الاكتساب قوّة نفسية هي فكرة فإذا ترقت كانت حدسا ثم قوّة قدسية فهي وإن كانت متباينة ترجع إلى شيء واحد كالشجرة وأمّا قوله لا شرقية الخ فهو إشارة إلى أنها ليست من عالم الحس الذي لا يخلو عنهما كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه بقوله : مجرّدة عن اللواحق الخ أو لأنها بين الصور والمعاني والصور ظهورها كالشروق والمعاني خفاؤها كالغروب فاعتباره في جانب المشبه به ظاهر أيضا ولها نور على نور وهو العقل المستفاد وقد مثل نوره تعالى بالعقل المستفاد وهو كمال النفس الإنسانية في القوّة النظرية تحقيقا لاستلزام معرفة النفس معرفة الرب علت كلمته وهذا تحقيق لطيف . وقد قال بعض المشايخ : إنّ حقيقتها نور قدحه زناد الإيمان بيد اليقين في حراق الوهم فاشتعل مصباح البصيرة في ظلمة الطبيعة وغايتها إعمال النظر الصحيح في تحصيل أسباب النجاة فافهم . قوله : ( فكالشجرة الزيتونة ) لاحتياج الإيقاد منها إلى كسب فشبه بها التحصيل بالنظر . والحدس يشبه الزيت وقوله والإلهام عطف على ملك الوحي