المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدي بالمشكاة المنعوتة أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح وإنما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس أو تمثيل لما نوّر اللّه به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها ويؤيده قراءة أبيّ مثل نور المؤمن أو تمثيل لما منح اللّه به عباده من القوى الدرّاكة الخمس المترتبة التي ينوط بها المعاش والمعاد وهي الحساسة التي تدرك المحسوسات بالحواس الخمس والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوّة العقلية متى شاءت والعاقلة التي تدرك الحقائق الكلية والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم والقوّة القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنية بقوله تعالى :
وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا
بالأشياء الخمسة المذكورة في
شرح
من الهدى بيان لما تضمنته وهو مدلولها أيضا وفي عبارته نوع خفاء . قوله : ( أو تشبيه للهدى الخ ) يعني أنه تشبيه مقيد وفي شرح الكشاف أنه على هذا من المركب الوهمي حيث تصوّر في المشبه والمشبه به حال منتزعة وهي قوله : من حيث إنه محفوف الخ فشبه الهدى المحيط به الضلال بمصباح في ليل مظلم كقوله :وكأنّ النجوم بين دجاها * سنن لاح بينهنّ ابتداع . . .ولا يخفى أنه بحسب الظاهر ينافيه كون حق الكاف الدخول على المصباح وقوله لاشتمالها يعني به أنّ المشتمل مقدّم على المشتمل عليه في رأي العين فقدّم لفظا رعاية لذلك أو لأنه إذا دخل على المشتمل فكأنه دخل على ما فيه فلا وجه لما قيل إنه لا يكفي فيه بل النكتة أنه أبلغ لأنّ الإنارة إذا نسبت للمشكاة فالمصباح أقوى بها . وكذ ما قيل إنّ فيه قلبا وإنما كان المصباح أوفق من الشمس لأنه ما يوقد في الليل فيدلّ على الظلمة التي لها دخل في التشبيه . وقيل : إنه تشبيه مفرّق فشبه الهدى بالمصباح والجهالات بظلم استلزمتها وفيه نظر .
قوله : ( أو تمثيل لما نور اللّه الخ ) ففيه مضاف مقدّر أي كنور مشكاة كما أشار إليه وهذا الوجه رجحه الطيبي على غيره وقال إنه تفسير السلف وأنه الأنسب بالمقام ونقل البغويّ عن كعب أنه قال إنه مثل ضربه اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فالمشكاة صدره والزجاجة قلبه والمصباح ما فيه من الحكم وعن الحسن رحمه اللّه تعالى الشجرة المباركة شجرة الوحي يكاد زيتها يضيء القرآن يتضح وإن لم يقرأ أو شجرة النبوّة والظاهر على هذا أنه تشبيه مفرّق وقيل إنه مركب كالأول والفرق بينهما في أصل المعنى لا في طريق التشبيه . وإضافة النور إليه تعالى باعتبار السببية . قوله : ( أو تمثيل لما منح اللّه الخ ) فهو تشبيه مفرّق وهذا مبنيّ على كلام الحكماء ولذا قال الطيبي رحمه اللّه : إنّ المقام ينبو عنه فتركه أولى من ذكره . وقوله : وهي الحساسة أي القوّة الحساسة والمراد بها الحس المشترك فإنّ الحواس الظاهر كالجاسوس لها وإليها يتأدّى ما يدرك كما أشار إليه المصنف وهي في مقدّم البطن الأول من الدماغ وهذا شروع في بيان الحواس الباطنية التي