السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم ، وقام معهم ابن أبيّ ومعتب بن قشير والجدّ بن قيس فقالوا له : أرفض ذكر آلهتنا وقل إنّ لها شفاعة وندعك وربك فنزلت
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً
بالمصالح والمفاسد
حَكِيماً
لا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة
وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ
كالنهي عن طاعتهم
إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
فموح إليك ما يصلحه ويغني عن الاستماع إلى الكفرة ، وقرأ أبو عمرو بالياء على أنّ الواو ضمير الكفرة والمنافقين أي إنّ اللّه خبير بمكايدهم فيدفعها عنك
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
وكل أمرك إلى تدبيره
وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا
موكولا إليه الأمور كلها
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
أي ما جمع قلبين في جوف لأنّ القلب معدن الروح الحيواني المتعلق بالنفس الإنساني أوّلا ومنبع القوى بأسرها ، وذلك يمنع التعدّد
وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ
شرح
المشركين العهد لتجديده فلم يرضه صلّى اللّه عليه وسلّم والمناسب ثبات الجانبين على المعاهدة دون تكليف أمر آخر ، وقيل إنّ هذا كان بعد أحد والقائمون معهم من أهل نواحي المدينة ومنها ، وأرفض بمعنى أترك ذكرها والمراد ذكرها بما يسوء بدلالة المقام ، ودلالة الآية على سبب النزول ظاهر وندعك منصوب في جواب الأمر ، وجملة إنّ اللّه الخ مستأنفة لتعليل ما قبلها . قوله تعالى : (وَاتَّبِعْ) من عطف الخاص على العامّ ، وقوله ما يصلحه فاعله ضمير ما هذه ومفعوله ضمير ما تعملون وفي نسخة ما يصلحك ويغني معطوف على يصلح ، وفي نسخة مغن بالعطف على موح وفيه إشارة إلى أنّ ذكر إحاطة علمه بعمله وعمل غيره أنه يعلمه بما يليق وينبغي له فيه لأنّ معرفة الطبيب بالداء ليصف الدواء قيل في كلامه ما يومئ إلى أنّ خطاب تعملون للنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وجمع للتعظيم ، وليس بمتعين لجواز كونه عامّا ولكن المقصود بالخطاب هو وبيان حاله فهو داخل فيه بالدخول الأولى ، وجعل المراد من العمل إذا كان الضمير للكفرة والمنافقين كيدهم ومكرهم لمناسبته للمقام ، ثم جعله كناية عن دفعه لأنه المقصود منه وعلى هذه القراءة يجوز كون الضمير عامّا أيضا وفي كونه التفاتا تأمّل . قوله : ( ما جمع قلبين في جوف ) أراد أنّ خصوص الرجل ليس بمقصود ، والمعنى ما جعل لأحد أو لذي قلب من لا حيوان مطلقا وجعل بمعنى خلق وتخصيص الرجل بالذكر لكمال لوازم الحياة فيه فإذا لم يكن ذلك له فكيف بغيره من الإناث ، وأمّا الصبيان فمآلهم إلى الرجولية ، وقوله في جوفه للتأكيد والتصوير كالقلوب التي في الصدور لأنّ القلب معدن الروح أي مقرّ الروح الحيوانيّ وهو البخار اللطيف النورانيّ الذي يتولد من دم رقيق فيه وبه الإدراك عند الحكماء وذكر المعدن إيماء إلى تشبيهه بالجوهر ، وقوله المتعلق بفتح اللام أي الذي تتعلق به النفس الناطقة أي تتصل به لتفيض بواسطته ما تدركه عليه ، وذكر النفس لتأويلها بالمدرك ونحوه وقوله أوّلا إشارة إلى تعلقها بالبدن بواسطته ، وقوله منبع القوى استعارة والمراد أنه الحامل لها إلى جميع البدن ، وهذا على رأي وعند جالينوس أنّ الكبد والدماغ منبعان لبعض القوى أيضا وقد مرّ ما فيه في سورة الحجر . قوله : ( وذلك يمنع التعدّد ) أي تعدّد قلب الإنسان أو الحيوان لأنه يؤدّي إلى التناقض كما سيأتي تقريره ، وذلك