لاختلاف الحال أو السبب فإنّ الأوّل للشكر عند إنجاز الوعد والثاني لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية اللّه وذكر الذقن لأنه أوّل ما يلقى الأرض من وجه الساجد واللام فيه لاختصاص الخرور به
وَيَزِيدُهُمْ
سماع القرآن
خُشُوعاً
كما يزيدهم علما ويقينا باللّه
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ
نزل حين سمع المشركون رسول اللّه يقول : يا اللّه يا رحمن فقالوا : إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعوا إلها آخر أو قالت اليهود :
إنك لتقلّ ذكر الرحمن ، وقد أكثره اللّه في التوراة ، والمراد على الأوّل هو التسوية بين اللفظين فإنهما يطلقان على ذات واحدة ، وإن اختلف اعتبار إطلاقهما ، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود المطلق وعلى الثاني أنهما سيان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى
شرح
والسبب هو الشكر في الأوّل وتأثير الموعظة في الثاني . قوله : ( وذكر الذقن لأنه أوّل ما يلقى الأرض الخ ) كذا في الكشاف واعترض عليه في التقريب بأنّ أوّل ما يلقى الأرض من وجه الساجد الجبهة أو الأنف ، وأجاب عنه الشراح بأنه في ابتداء الخرور أقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض هو الذقن أو أنه أريد به المبالغة في الخضوع لأنه بتعفير اللحى في التراب والأذقان عبارة عنها ، أو أنه ربما خرّ على الذقن كالمغشيّ عليه ومنهم من قال : لعل سجودهم كان هكذا غير ما عرفناه ( قلت ) لا يخفى ما في هذه الوجوه كلها مع أنّ هذا الاستعمال وارد مع الخرور ، ولو في غير السجود في كلام العرب قديما قال الشاعر :فخروا لأذقان الوجوه تنوشهم * سباع من الطير العوادي وتنتففالظاهر أنه غفلة عن معنى لقي قال الراغب : اللقاء مقابلة الشيء ولا شك أن أوّل مقابل الأرض من الساقط الساجد والواقع هو الذقن ، وهم ظنوه بمعنى الإلصاق فتكلفوا له ما ذكر ، والحاصل أنّ هذا إنما يرد لو أريد به ظاهره وحقيقته ، أما إذا أريد به المبالغة كأنه لشدّة تحامله ألصق ذقنه بالأرض أو جعله كناية أو تمثيلا فلا إشكال . قوله : ( واللام فيه لاختصاص الخرور به ) أي بالذقن ، اعترض عليه بأنه بعد ورود ما تقدّم عليه مخالف لقوله : لأنّ أوّل ما يلقى الأرض الخ لاقتضائه أنّ في الوجه ما يتصف بالخرور وغيره ، إلا أن يقال تقديره لاختصاص أوّل الخرور به أو يقال : لاختصاص هنا متعدّ ، والمعنى لتخصيصهم الخرور به ، ويكون هذا طريق سجدتهم كما مرّ ( قلت ) هذا مبنيّ على أنّ الاختصاص الذي يدلّ عليه اللام بمعنى الحصر وليس كذلك وإنما هو بمعنى تعلق خاص ، ولو سلم فمعنى الاختصاص به الاختصاص بجهته ، ومحاذيه وهو جهة السفل ولا شك في اختصاصه به إذ هو لا يكون لغيره فمعنى يخرّون للأذقان يقعون على الأرض عند التحقيق ، والمراد تصوير تلك الحالة كما في قوله :فخرّ صريعا لليدين وللفمقوله : ( أو قالت اليهود ) بيان سبب آخر ، وفي نسخة بالواو وهذه أصح لما في الثانية من إيهام أنه من تتمة ما قبله وليس بمراد كما صرّح به ، وقوله : هو التسوية بين اللفظين الاستواء