تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 570

مساهمون:

ص٥٧٠
لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحق ، وذلك عدم إيمانهم بالآخرة فإنّ المؤمن بها يكون طالبا للدلائل متأملا فيما يسمع ، وينتفع به والكافر بها يكون حاله بالعكس ، وإنكار قلوبهم ما لا يعرف إلا بالبرهان اتباعا للأسلاف وركونا إلى المألوف فإنه ينافي النظر ، والاستكبار عن اتباع الرسول وتصديقه ، والالتفات إلى قوله والأوّل هو العمدة في الباب ، ولذلك رتب عليه ثبوت الأخيرين
لا جَرَمَ
حقا
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ
فيجازيهم ، وهو في موضع الرفع بجرم لأنه مصدر أو فعل
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
فضلا عن الذين استكبروا عن توحيده أو اتباع الرسول
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ
شرح
وضع موضع ضمير المشركين أو من استكبر عن الحق مطلقا فهو عامّ متناول لهم كما قرّره العلامة . قوله : ( بيان لما اقتضى اصرارهم الخ ) يعني قوله فالذين الخ صدّر بالفاء لأنه سبب لاصرارهم فالفاء للسببية كما قول أحسنت إلى زيد فإنه أحسن إليّ ، ولما بين السبب ، والمسبب من الارتباط كان هذا كالنتيجة ، وقوله وذلك أي ما اقتضى اصرارهم هو أمور ثلاثة عدم الإيمان ، والإنكار ، والاستكبار ، وقوله فإن المؤمن بها أي بالآخرة ، ولو تقليدا ، وقوله للدلائل أي دلائل التوحيد ليسلم في الآخرة وانكار قلوبهم معطوف على عدم إيمانهم ، واتباعا علة للإنكار ، وقوله فإنه أي ما ذكر ، والاستكبار معطوف عليه أيضا وقوله ، والأوّل هو العمدة يعني قول الذين لا يؤمنون بالآخرة ، والأخيرين انكار قلوبهم واستكبارهم وترتيبه عليه بجعله خبرا للموصول المفيد لعلية الصلة للخبر على ما قرّر في المعاني . قوله : ( لا جرم حقا الخ ) في هذه اللفظة خلاف بين النحاة فذهب الخليل رحمه اللّه تعالى وسيبويه والجمهور إلى أن لا جرم اسم مركب مع لا تركيب خمسة عشر ، وبعد التركيب صار معناها معنى فعل ، وهو حق ، وما بعدها مرتفع بالفاعلية لمجموع لا جرم لتأويله بالفعل أو بمصدر قائم مقامه ، وهو حقا على ما ذكره أبو البقاء رحمه اللّه تعالى ، وقيل هو مركب أيضا كلا رجل ، وما بعدها خبر ، ومعناها لا محالة ، ولا بد وقيل إنه على تقدير جارّ أي في أن اللّه الخ . وقيل لا نافية لكلام مقدر تكلم به الكفرة كقوله لا أقسم على وجه ، وما بعده جملة فعلية ، وجرم فعل ماض معناه كسب ، وفاعله مستتر يعود إلى ما فهم من السياق ، وأن وما معها في محلّ نصب لأنّ كسب متعدّ فيوقف على لا ، وهذا قول الزجاج ، وقيل معناها لا صدّ ولا منع وجرم اسم لا بمعنى القطع ، وأنّ وما بعدها خبر حذف منه الجار ، وفيها لغات كما مرّ فقوله حقا تفسير له على مذهب الجمهور على مسلك أبي البقاء فيه ، وقوله فيجازيهم مرّ تحقيقه مرارا ، وقوله أو فعل يحتمل جرم وحده فعل ، وهو الظاهر من لفظه لكن على هذا القول هو مفعول لا فاعل إلا أن يكون بمعنى ثبت ، ووجب كما ذكره بعض المعربين ، وهو قول فيه ، ويحتمل أنّ مجموع لا جرم فعل تأويلا لأنه بمعنى حق ، وهو الموافق لكلامهم كما أشار إليه بعض الفضلاء فما قيل أن شرط عمل المصدر أن لا يكون مفعولا مطلقا كما في الكافية وحقا مفعول مطلق من قلة التدبر على ما عرفته . قوله : ( فضلا عن الذين الخ ) فيه إشارة إلى أنه باق على عمومه ، ويدخل فيه من مر ممن