اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصوّر إلا بالإيحاء
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ
أحسن الاقتصاص لأنه اقتص على أبدع الأساليب أو أحسن ما يقص لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر فعل بمعنى مفعول كالنقض والسلب ، واشتقاقه من قص أثره إذا تبعه
بِما أَوْحَيْنا
بإيحائنا إليك
هذَا الْقُرْآنَ
يعني السورة ، ويجوز أن يجعل هذا مفعول نقص على أنّ أحسن نصب على المصدر
وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ
عن هذه القصة لم تخطر ببالك ، ولم تقرع سمعك قط وهو تعليل لكونه موحى
شرح
لأنّ لعل تستعمل بمعنى لام التعليل على طريق الاستعارة التبعية كما مرّ في البقرة ، وجعلها للرجاء من جانبهم لا يناسب المقام ، وإن كان جائزا كما قيل ، وقوله مجموعا أو مقروء بيان لمحصل المعنى ، ويتحمل أن يكون إشارة إلى ترجيح جعله قرآنا حالا غير موطئة ، وقوله كي تفهموه ، وتحيطوا بمعانيه مناسب لتفسير المبين الثاني ، والرابع وتستعملوا فيه عقولكم ملائم للثالث ، ولكنه لا يختص بشيء منها حتى يكون تأكيدا وقوله اقتصاصه أي الكتاب كذلك معجزة من معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم لاخباره بالمغيبات . قوله : ( أحسن الاقتصاص الخ ) فيه وجهان أحدهما أن يكون مفعولا به لنقص إن كان القصص مصدرا بمعنى المفعول كالخلق بمعنى المخلوق أو صف مشبهة على فعل كقبض ، ونقض بمعنى مقبوض ومنقوض أي نقص عليك أحسن الأشياء المقصوصة ، والثاني أن يكون منصوبا على المصدر لاضافته إلى المصدر أو لكونه في الأصل صفة مصدر أي قصصا أحسن القصص ، ومفعوله محذوف أي نقص ما سيذكر أحسن قصص أو هذا القرآن ، وإلى الوجهين أشار المصنف رحمه اللّه تعالى لكنه ترك احتمال كونه مصدرا بمعنى مفعول قيل ، وقوله أحسن ما يقص إشارة إلى أنّ اللام حينئذ موصولة ليصح وقوعه مضافا إليه فتأمّل . قوله : ( لاشتماله على العجائب الخ ) يعني أنه أحسن في بابه لأنه ليس أحسن من قصة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لكنه أحسن في سمته لاشتماله على سير الملوك والمماليك ، ومكر النساء ، والصبر على أذى الأقارب والعفو بعد الاقتدار ، وغير ذلك مما يعرفه من وقف على معاني السورة ، وأصل معنى القص اتباع الأثر ، ومنه قص الحديث لأنه يذكره ويتبع ما وقع فيه ومعانيه دائرة عليه ومثله التلاوة أصلها الاتباع وقوله بايحائنا إشارة إلى أنّ ما مصدرية ، والباء سببية .
قوله : ( ويجوز أن يجعل هذا مفعول نقص الخ ) أي كما يجوز جعله مفعول أوحينا على أنّ مفعول نقص أحسن القصص أو محذوف بناء على المذهبين في التنازع إذ هذا منه إذا لم يكن أحسن القصص مفعولا واختار أعمال الثاني ترجيحا للقول به ، ولأنّ تعلق الوحي به أظهر من تعلق القصص باعتبار ما اشتمل عليه ، ويجوز تنزيل أحد الفعلين منزلة اللازم . قوله : ( لم تخطر ببالك الخ ) أسقط تفسير الزمخشريّ له بقوله من الجاهلين به لأنه وإن كان مرادا وقد عبر اللّه بالغافلين توقير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بل لم يسمه غافلا بل نسب الغفلة إلى من هو بين أظهرهم فما بال مثله يترك الأدب ، والتبرّك بأخلاق اللّه لكن لكل جواد كبوة ، وليس لنا حاجة إلى ذكر ما اعتذر