أَنْزَلْناهُ
أي الكتاب
قُرْآناً عَرَبِيًّا
سمى البعض قرآنا لأنه في الأصل اسم جنس يقع على الكل ، والبعض وصار علما للكل بالغلبة ونصبه على الحال ، وهو في نفسه إمّا توطئة للحال التي هي عربيا أو حال لأنه مصدر بمعنى مفعول ، وعربيا صفة له أو حال من الضمير فيه أو حال بعد حال وفي كل ذلك خلاف
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
علة لإنزاله بهذه الصفة أي أنزلناه مجموعا أو مقر وأبلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه ، وتستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أنّ
شرح
ظهر ، ومتعديا بمعنى أظهر فعلى أخذه من الأوّل المراد الظاهر أمرها واعجازها فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ، واستتر وعلى الثاني المفعول لمبين مقدّر ، وهو أنها من عند اللّه أو ما سأله عنه اليهود ، وقيل إنه على الأوّل من الاسناد المجازي ، ولا تقدير فيه لما يلزمه من حذف الفاعل وهو وهم لأن مثله لا يعد حذفا لوجود ما قام مقامه ، وعلى الثاني الاسناد المجازي ، وتبيينها أنها من عند اللّه لأنها تحمل من تدبرها على ذلك أفلا يتدبرون القرآن فالوجوه أربعة ، ووجه ترتبها أنّ المقصود اعجازه فلذا قدّم الأوّل من وجهي اللزوم والتعدّي وإن دلّ الآخر عليه بالأخبار عن الغيب ، وقوله في الاعجاز قيل إنه أصاب حيث لم يضف الاعجاز إلى العرب كما في الكشاف ، ولا يخفى أنّ المتحدّي هم ، والاعجاز بالنسبة إليهم فلا محذور في الإضافة . قوله : ( أي الكتاب ) السابق ذكره وقيل خبر يوسف عليه الصلاة والسّلام ، وما ذكره المصنف رحمه اللّه تعالى أظهر ، وقوله سمي البعض قرآنا أي أطلق على البعض ، وهو هذه السورة القرآن الذي هو عبارة عن مجموع السور بحسب الظاهر المتبادر لأنّ القرآن اسم جنس يشمل القليل ، والكثير فكما يطلق على الكل يطلق على البعض لكنه غلب على الكل عند الاطلاق معرفا لتبادره منه ، وهل وصل بالغلبة إلى حدّ العلمية أو لا ذهب المصنف رحمه اللّه تعالى إلى الأوّل فيلزمه الألف ، واللام ومع ذلك لم يهجر المعنى الأوّل ، وما وقع في كتب الأصل من أنه وضع تارة للكل خاصة ، وتارة لما يعمّ الكل والبعض أعني الكلام المنقول في المصحف تواترا ففيه نظر لأنّ الغلبة ليس لها وضع ثان ، وإنما هي تخصيص لبعض أفراد الموضوع له ، ولذا لزمته اللام أو الإضافة إلا أن يدعي أنّ فيها وضعا تقديريا .
قوله : ( ونصبه على الحال الخ ) محصله أنه إمّا حال بعده حال أو قرآنا بمعنى مقروء فيه ضمير مستتر ، وعربيا حال من الضمير المستتر فهي متداخلة أو قرآنا حال ، وعربيا صفته ، وحينئذ فهي إما موطئة أو غير موطئة لأنها إن أبقيت على جمودها من غير تأويل بالمشتق موطئة لأنّ المقصود بالحالية وصفها إذ هي لا تبين هيئة ، وإن أوّلت به فغير موطئة لأنّ معنى التوطئة أنها تبين أنّ ما بعدها هو المقصود بالحالية لا أنها حال موصوفة لعدم دلالتها على الهيئة ، ولذا عرف النحاة الحال الموطئة بأنها الجامدة الموصوفة نحو :فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا[ سورة مريم ، الآية : 17 ] ومعنى قوله في نفسه بقطع النظر عما بعده ، وعن تأويله بالمشتق ، وقوله بمعنى مفعول أي مقروء ومجموع وقيل قرآنا بدل من الضمير وعربيا صفته . قوله : ( علة لانزاله بهذه الصفة الخ ) أي حكمة له بمنزلة العلة لأنّ أفعاله لا تعلل بالأغراض أو مستعملا استعمال العلة