تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
لا تصيب الظالمين منكم خاصة بل تعمكم ، وفيه أنّ جواب الشرط متردّد فلا يليق به النون المؤكدة لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه كقوله تعالى :
ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ
[ سورة النمل ، الآية : 18 ] وأما صفة لفتنة ولا للنفي وفيه شذوذ لأن النون لا تدخل المنفى في غير القسم أو للنهي على إرادة القول كقوله :
حتى إذا جنّ الظلام واختلط * جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط
شرح
تصيبنّ الظالمين خاصة بل تعمّ لأنه لا يكفي اتقاؤه بل لا بدّ من دفع المجاهرين به إذا قدر على المنع فمحصل النظم حينئذ اتقوا المعاصي بالذات ، وامنعوا من ارتكبها منكم ، ولذا قال ابن العربي كما نقله القرطبي : فإن قيل قد قال تعالى :وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *ونحوه مما يوجب أن لا يؤاخذ أحد بذنب غيره فالجواب أنّ الناس إذا تجاهروا بالمنكر فمن الفرض على من رآه أن يغيره فإن سكت عليه فكلهم عاص هذا بفعله وهذا برضاه ، وقد جعل اللّه في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة وصح الكلام من غير تكلف . قوله : ( وفيه أنّ جواب الشرط متردّد فلا يليق به النون الخ ) جواب عن أن لا يؤكد المضارع في غير قسم ولا طلب ولا شرط إلا أنهم اختلفوا في المنفيّ بلا فقيل يجوز تأكيده لإجرائه مجرى النهي ، وقيل إنه مخصوص بالضرورة ، والفرّاء قال إنه جاز هنا لما فيه من معنى الجزاء ، والمصنف رحمه اللّه تبعا للكشاف قال : إنّ فيه معنى النهي لأنّ المعنى لا تتعرّضوا لها فمأخذ الاشتقاق مطلوب عدمه كما في النهي ، وما ذكره بيان لوجه عدم تأكيده بأنه متردّد بين الوقوع وعدمه غير مجزوم به فيه ، والتأكيد يقتضي دفع التردّد ، فأجاب بأنه طلبيّ معنى فيؤكد كما يؤكد الطلبي ، وهو لا ينافيه التردّد في وقوعه لأنه لا تردّد في طلبه ، على أنه قيل إنه لا تردّد فيه على تقدير وقوع الشرط فالتردّد في الحقيقة إنما هو في وقوع الشرط لا فيه ، وقد علمت أنّ الفرّاء يجوّز تأكيد الجزاء مطلقا فما ذكره هنا على مذهبه وعلى ما رجحه ابن جني من أنّ المنفيّ بلا يؤكد لشبهه بالنهي كما في قوله تعالى :ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ[ سورة النمل ، الآية : 18 ] وقد اعترض عليه بأنه منع ما جوّزه هنا في سورة النمل لأنّ النون لا تدخله في السعة فكأنه نسي هناك ما جوّزه هنا وقد يوفق بينهما فتدبر . قوله : ( وفيه شذوذ الخ ) قد عرفت أنّ ابن جني وبعض النحاة جوّزوه وقد ارتضاه ابن مالك في التسهيل لكن ما ذكره كلام الجمهور . قوله : ( أو للنهي على إرادة القول ) أي لا ناهية والجملة صفة فتنة أيضا لكن لما كان الطلب لا يقع صفة لأنه قائم بالمتكلم وليس حالا من أحوال الموصوف فقولك مررت برجل اضربه لا يصح إلا باعتبار تعلقه به لكونه مقولا فيه ذلك ، وليس المقصود بالمقولية الحكاية بل استحقاقه لذلك حتى كأنه مقول فيه ، وجوّز وصفه به باعتبار تأويله بمطلوب ضربه فلا يتعين تقدير القول كما قيل ، وإن اشتهر ذلك كما في شرح المغني فتأمّل . قوله : ( حتى إذا جنّ الظلام الخ ) هذا رجز لا يعرف قائله ، وفي كامل المبرّد رحمه اللّه العرب تختصر التشبيه وربما أومأت إليه ، كما قال أحد الرجاز :