الشرطية بأن الذي للشك والحال يقتضي إذا الذي للوجوب فإنّ القائل سبحانه وتعالى لم يكن شاكا في عجزهم ولذلك نفى اتيانهم معترضا بين الشرط والجزاء تهكما بهم أو خطابا
شرح
كما في قوله تعالى :فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ[ سورة البقرة ، الآية : 175 ] لأنّ معناه ما أكثر عصيانهم ، وهو من أبلغ الكلام كما قاله المرزوقيّ رحمه اللّه وفيه تصريح بالوعيد وأنهم يستحقون النار ويعاقبون بها لتمرّدهم مع ما فيه من الإيجاز فإنّ الجزاء الحقيقي كما قاله تقديره ظهر أنه معجز وأنّ التصديق به واجب فآمنوا به أطول من قوله اتقوا النار لأنّ الصفة لا دخل لها في الجزاء والكناية كما لا يخفى ، وقيل الإيجاز من ترك ذكر العناد وإقامة النار مقامه فإنّ أصل المعنى فاتقوا العناد الذي مصير أمره عذاب النار ، وقيل إنّ قوله مع الإيجاز قيد للأخير أو للمجموع وهو ردّ لما في الكشاف حيث جعل الإيجاز وجها مستقلا وهو لا يصلح له إن لم يوجه بأنّ الوسايط التي صرّح بها في ارتباط الجزاء بالشرط مرادة بحسب المعنى وإن لم تقدر في العبارة ويرد عليه أنه لو قيل فاتركوا العناد كانت تلك الوسايط مرادة أيضا فلا إيجاز بحسب الكناية إلا أن يوجه بما قيل من أنه أريد بهذه الكناية مجموع المعنيين من اتقاء النار وترك العناد معا فيكون مؤخرا ، ويشمل الإيجاز كل كناية أريد بها معنياها جميعا ( أقول ) : هذا برمّته مأخوذ من شرح الكشاف الشريفي وقد عرفت أنه لا يجري في كلام المصنف رحمه اللّه لأنه لا يوافقه فيما قدّره جزاء وجوابا كما مرّ ولو وافقه لم يكن لذكره وجه أيضا سواء كان مستقلا أو بطريق التبعية والمعية ، والعجب من هذا القائل أنه ذكر هذا بعينه في شرح قوله : معجز فما أسرع ما نسي ما قدّمه بين يديه وما بالعهد من قدم وقد عرفت أيضا أنه يرد على الزمخشريّ أنه إذا كان ترك العناد لازما كان إطلاق الاتقاء عليه تعبير بالملزوم عن اللازم فيكون مجازا لا كناية ولذا عدل عنه المصنف رحمه اللّه وإن كان غير مسلم كما فصله قدّس سرّه وسيأتي تحقيقه . قوله :
( وصدّر الشرطية بأن الخ ) أي هذه الجملة الشرطية جاءت على خلاف الظاهر ومقتضى الحال كما أشار إليه بقوله والحال أي وظاهر الحال المناسب للمقام والسياق ، وكون أن الموضوعة للشرط تفيد الشك وإذا الظرفية المضمنة معنى الشرط تقتضي الجزم والقطع مما اتفقوا عليه ، فإذا خرج كل منهما عن مقتضاه فلا بدّ له من وجه والمراد بالوجوب في كلام المصنف رحمه اللّه الجزم والقطع فهو بالمعنى اللغويّ وفي المصباح وجب الحق يجب وجوبا وجبة لزم وثبت وهو قريب مما فسرناه به ، وما قيل من أنه عبر عن الوقوع المقطوع بالوجوب جريا على ما بين المتكلمين من أنّ الوجود مسبوق بالوجوب فما لم يجب لم يوجد مما لا حاجة إليه ولا يفيد التفسير بل التعقيد ومقابلته بالشك تغني عن الشرح ، وأصل الشك المستفاد من أدائه وحقيقته من المتكلم فإن اعتبر حال المخاطب فعلى خلاف الأصل كما أشار إليه بقوله : أو على حسب ظنهم ، وقوله : فإنّ القائل الخ تعليل لاقتضاء المقام الجزم وعدم الشك وقوله : ولذلك الإشارة إمّا لاقتضاء الحال أو لأنه تعالى لم يكن شاكا وإن كان غير محتاج إلى التعليل لأنّ المراد إظهار نكتة الاعتراض .