المعنى والإعصار ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها كرئاء وإيذاء في الحسرة والأسف إذا كان يوم القيامة واشتدّ حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت وترقى بفكره إلى جناب الجبروت ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
أي تتفكرون فيها فتعتبرون بها
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
من حلاله أو جياده
وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ
أي ومن طيبات ما أخرجنا من الحبوب والثمرات والمعادن فحذف المضاف لتقدّم ذكره
وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ
أي ولا تقصدوا الرديء
مِنْها *
أي من المال أو مما أخرجنا لكم وتخصيصه بذلك لأنّ التفاوت فيه أكثر وقرئ ولا تأمموا ولا تيمموا بضم التاء
تُنْفِقُونَ
حال مقدرة من فاعل
شرح
وهو من نوادر الجمع كسادة ولما كان أصاب لا يعطف لا لاختلافهما زمانا ولا لأنّ أن يمتنع دخولها على الماضي بل لأنها إذا دخلت على المضارع فهي للاستقبال وإن دخلت الماضي جردت عنه جعلوها حالية ومقدرة وصاحب الحال أحدكم أو يعطف على وضع الماضي موضع المضارع ، قاله الفراء وقال يجوز ذلك في يودّ لأنه يتلقى تارة بأن ومرة بلو فجاز أن يقدر أحدهما مكان الآخر أو يحمل العطف على المعنى لأنّ المعنى أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر قيل : هذا الوجه فيه تأويل المضارع بالماضي عكس ما قبله واستضعفه أبو البقاء بأنه يؤدّي إلى تغيير اللفظ مع صحة المعنى والزمخشريّ فحا إليه وتابعه المصنف رحمه اللّه تعالى قال أبو حيان : وظاهره أن أصابه معطوف على متعلق يودّ ، وهو أن يكون لأنه بمعنى لو كانت وليس بشيء لأن إصابة الكبر لا يتمناها أحد وهو غير وارد لأنّ الاستفهام للإنكار فهو ينكر الجمع بينهما كما قيل : وفيه تأمّل ، وعبر بالضعفاء جمع ضعيف كشركاء وشريك وترك التعبير بالصغار مع مقابلة الكبر لأنه أنسب كم لا يخفى . قوله : ( فأصابها إعصار الخ ) الإعصار ريح شديدة تسمى زوبعة ، وقيل : هي ريح السموم والجملة الأولى معطوفة على صفة الجنة ، وقوله : أو تكون أي عطف على تكون لأنه بمعنى لو كانت كما مرّ وقوله : وأشبههم به أي بمن له هذه الجنة المذكورة من عرف الحق واتصل به ثم رجع إلى خلافه وعلى ما ذكره أوّلا فهو تمثيل لمن يبطل صدقته بالمنّ والأذى والرئاء وفصل عنه لاتصاله بما ذكر بعده أيضا قيل :
والأحسن أن يكون تمثيلا لمن يبطل عمله بالذنوب لأنّ من ذكر لا عمل له ، والجواب أنّ له عملا يجازي عليه بحسب ظاهر حاله وظنه ، وهو يكفي للتمثيل المذكور . قوله : ( من حلاله الخ ) ترك في الكشاف ذكر الحلال وهو ما يحل إنفاقه مأكولا أولا لأنه يعلم من الأمر بالإنفاق وما فعله المصنف رحمه اللّه أولى وتركه فيما أخرجنا لعلمه مما قبله ولك أن تجعل ما عبارة عنه وإعادة من لأنّ كلا منهما نوع مستقل وقوله : أي من المال أرجع الضمير إلى المال الذي في ضمن القسمين لأنّ الرداء فيه وكذا الحرمة أكثر لتفاوت أصنافه ومجالبه والقراءات المذكورة