فإنّ المال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه اللّه سبحانه وتعالى ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه ثبتها كلها أو تصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء مبتدأ من أصل أنفسهم وفيه تنبيه على أنّ حكمة الإنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال
كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ
أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة كمثل بستان بموضع مرتفع فإنّ شجره يكون أحسن منظرا وأزكى ثمرا وقرأ ابن عامر وعاصم بربوة بالفتح وقرىء بالكسر وثلاثتها لغات فيها
أَصابَها وابِلٌ
مطر عظيم القطر
فَآتَتْ أُكُلَها
ثمرتها وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالسكون للتخفيف
ضِعْفَيْنِ
مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل والمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله تعالى
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ *
اثنين وقيل أربعة أمثاله ونصبه على الحال
شرح
هو من شعر للأشهب النهشلي وهو شاعر إسلاميّ من طبقة الفرزدق ، وقيل : الحرث بن مخفض وحانت بمعنى هلكت وذهبت وفلج بالسكون موضع بقرب البصرة والمراد بدمائهم نفوسهم وفي الكشاف وجه آخر وهو أنّ الذي ومن يتعاقبان فعومل هنا معاملته لتوهمه وقد ذكره شارح اللباب ، والمصنف رحمه اللّه تركه لبعده وخفائه وكذا كون لا يقدرون راجع للذين آمنوا بالالتفات وهو مما لا يلتفت إليه ولما وضع القوم الكافرين موضع من ذكر استفيد منه أنه من صفة الكفار فينبغي اجتنابه . قوله : ( وتثبيتا بعض أنفسهم الخ ) الثبات ضد الزوال والإثبات والتثبت يكون بالفعل والقول وهو متعد وجوّز لزومه فمفعوله إما الثواب على النفقة أو الإعمال بإخلاص النية أو من أنفسهم هو المفعول لأنه بمعنى بعض أنفسهم وهو الذي ارتضاه المصنف رحمه اللّه وقيل : من بمعنى اللام وجوّز نصبهما على الحالية أو المفعول لأجله ومن تبعيضية كما بينه أو الجار والمجرور صفة تثبيتا ومن ابتدائية وتثبيتا لا مفعول له مقدر أو مفعوله الإسلام والجزاء ونحوه وهو الوجه الثاني ووجه إفادته الحكمة المذكورة أنّ الإنفاق لا للرياء والعوض أفاد ذلك فتأمّل ذلك . قوله : ( أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة الخ ) في التشبيه وجهان : أحدهما أنه مركب وتقدير المضاف لأنه لا بد من إضافة المثل من رعاية المناسبة كما مر والتشبيه لحال النفقة بحال الجنة بالربوة في كونها زاكية متكثرة المنافع عند اللّه كيفما كانت الحال والثاني أن تشبه حالهم بحال الجنة على الربوة في أنّ نفقتهم كثرت أو قلت زاكية زائدة في حسن حالهم كما أنّ الجنة يضعف أكلها قوي المطر وضعيفه وهذا أيضا تشبيه مركب إلا أنه لو حظ الشبه فيما بين المفردات وحاصله أنّ حالهم في اتباع القلة والكثرة تضعيف الأجر كحال الجنة في إنتاج الوابل والطل تضعيف ثمارها ، ويحتمل وجها ثالثا وهو أن يكون من تشبيه بالمفرد بأن تشبه حالهم بجنة مرتفعة في الحسن والبهجة والنفقة الكثيرة والقليلة بالطل والوابل ، والأجر والثواب بالثمرات والربوة مثلثة الراء وفيها لغة رابعة رباوة ، وأكل بضمتين وتسكن للتخفيف وبه قرئ .
قوله : ( مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل الخ ) بسبب قيد للمثلين ، والضعف فيه خلاف هل هو المثل أو المثلان كما سيأتي والزوج يطلق على مجموع المزدوجين وعلى كل واحد منهما ، وقوله وقيل : الخ بناء على القول الثاني والأحسن أنّ التثنية للتكثير لأنّ المضاعفة كثيرة كما مر .