الأحكام التي ذكرت .
فَلا تَقْرَبُوها
نهي أن يقرب الحدّ الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل فصلا عن أن يتخطى عنه كما قال عليه الصلاة والسلام : « إنّ لكل ملك حمى وإنّ حمى اللّه محارمه ، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » وهو أبلغ من قوله فلا تعتدوها ويجوز أن يريد بحدود اللّه محارمه ومناهيه
كَذلِكَ
مثل ذلك التبيين
يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ
شرح
أنه ربما يدّعي دلالته على أنّ الاعتكاف يكون في غير المسجد وإلا لما كان للتقييد فائدة وقوله : وأنّ الوطء يحرم فيه راجع للاعتكاف بقرينة قوله : ويفسده ، وأما المجامعة في المسجد مطلقا فلا تدل الآية على حرمتها ، وقال ابن الهمام رحمه اللّه : التحريم يحتمل أن يكون للاعتكاف وأن يكون للمسجد فتكون ظنية الدلالة وبمثلها تثبت كراهة التحريم لا التحريم فهي مكروهة كراهة تحريم على الأصح كما في شرح الكنز . قوله : ( أي الأحكام التي ذكرت الخ ) أي الأحكام المذكورة من باشروا وابتغوا وكلوا واشربوا للإباحة وأتموا الصيام للإيجاب ولا تباشروهنّ لتحريم حدود اللّه ، والنهي عن الإتيان والقربان في الحرام ظاهر وأما في الواجب والمندوب والمباح فمشكل ، وعن التعدّي بالعكس لأنّ النهي عن التعدّي في الجواب والمندوب والمباح ظاهر لأنه بمعنى ينبغي أن يكون هذا عملكم ، وفي الحرام مشكل لأنّ التعدّي عن الحرام واجب وما ذكر في الكشاف من كون منع القربان مبالغة في منع التعدّي وكون التعدّي عبارة عن ترك الطاعة والعمل بالشرائع وتجاوز حيز الحق إلى حيز الباطل يدفع الإشكالين بتأويل في اللفظ وهو أنّ تلك الأحكام ذوات حدود فلا تقربوها كيلا يؤدّي إلى تجاوزها والوقوع في حيز الباطل وهو معنى قوله نهى أن يقرب الحد الحاجز الخ ، وقوله :
فضلا عن أن يتخلى جواب عما قيل : كيف قيل : فلا تقربوها مع قوله :فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ[ سورة البقرة ، الآية : 229 ] ومنع تعدّي الحد ومنع قربانه متدافعان لأنّ منع التعدّي يشعر بجواز القربان فإنّ منع القربان يفيد منع التعدّي بطريق الأولى فهو أبلغ منه ، وقوله لكل « ملك حمى » « 1 » حديث صحيح وهو من جوامع الكلم وشبه المحارم بالحمى الذي يحميه السلطان عن الرعاة وغيرهم فلا يدخله أحد ثم نهى عما يقرب منه من المشتبهات فإنه يوقع في المحرمات كمن قرب من المرعى المحمى فإنه يخشى عليه من دخوله ، ويوشك بمعنى يقرب وهو شاهد للمنع من القرب وإن كان المذكور فيه المحارم فقط . قوله : ( ويجوز أن يريد بحدود اللّه الخ ) فيستقيم منع القربان من غير تأويل إلا أنه لم يسبق إلا نهي واحد وهو قوله لا تباشروهنّ فقيل : التعدد باعتبار أنّ الأوامر السابقة نهى عن أضدادها ، وقيل : إنه في أمر الإباحة مشكل فالأوجه أن يراد هذا وأمثاله . قوله : ( مثل ذلك التبيين ) يحتمل أنّ الإشارة إلى التبيين
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه البخاري 2051 ومسلم 1599 وأبو داود 3330 والترمذي 1205 وابن ماجة 3984 كلهم من حديث النعمان بن بشير ، وصدره « الحلال بيّن والحرام بين . . . » .