ما ارتكبوه ولذلك سماه خيانة وقرىء الرفوث
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ
استئناف مبين سبب الإحلال وهو قلة الصبر عنهنّ وصعوبة اجتنابهنّ لكثرة المخالطة وشدّة الملابسة ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه باللباس قال الجعدي :
إذا ما الضجيع ثنى عطفها * تثنت فكانت عليه لباسا
أو لأنّ كل واحد منهما يستر حال صاحبه ويمنعه عن الفجور
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ
تظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب
فَتابَ عَلَيْكُمْ
لما تبتم مما اقترفتموه
وَعَفا عَنْكُمْ
ومحا عنكم أثره
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ
لما نسخ عنكم التحريم وفيه دليل على جواز نسخ السنة
شرح
ووجه دلالته على معنى القبح من جهة أنه الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه فذكر لتقبيح ما فعلوه ولذا سماه خيانة في قوله :كُنْتُمْ تَخْتانُونَبعده فلم يقل أفضيتم أو باشرتم أو نحوه كما في أمثاله فإن قيل : لم لا يجعل من أوّل الأمر كناية عن الإفضاء كما في الأساس قيل : لأنّ المقصود هو الجماع والإفضاء أيضا كناية عنه . قوله : ( استئناف يبين سبب الإحلال ) جعله في الكشاف كالبيان للسبب ، قيل : والتمثيل ببيت النابغة الجعدي وإن كان لتشبيهه باللباس لكن يفيد أنّ وجه الشبه هو الاشتمال لا ما قيل : إنّ كلا منهما يستر الآخر عن الفجور والضجيع المضاجع وثنى عطفها أمال شقها وتثنت مالت وفيه أيضا أنّ اللباس استعارة وليس على حذف أداة التشبيه كما هو رأي الأكثرين وذلك لأنّ الظاهر أنّ عليه متعلق به كما في أسد عليّ انتهى وقيل إنه اعتراض على قول المصنف رحمه اللّه أو لأنّ الخ بأنه خلاف قصد العرب وهو غير وارد لأنّ قصد العرب لهذا لا يمنع من تشبيه اللّه تعالى بوجه آخر أنسب بالحلّ ولذا أخره عنه كما جعل التقوى لباسا وقد استفاض هذا التشبيه وتصرفوا فيه على أبحاث شتى وتظرف بعض المتأخرين فقال : لبسنا ثياب العناق مزررة بالقبل وأما قوله : وليس على حذف أداة التشبيه فالمرضى خلافه وقد مر جوابه . قوله : ( علم اللّه الخ ) جملة معترضة مبينة أن اللّه عالم بهم متضمنة لو عدهم بمتابعة أوامره ووعيدهم على مخالفته ، والخيانة ضد الأمانة ولما كانت خيانة النفس غير متصورة جعلها مجازا عن الظلم وتنقيص الثواب ، وقال الراغب : الاختيان مراودة الخيانة ولم يقل تخونوا أنفسكم لأنه لم يكن منهم الخيانة بل الاختيان فإنّ الاختيان تحرّك شهوة الإنسان لتحرّي الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله :إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ[ سورة يوسف ، الآية : 53 ] وفسر عفا عنكم بمحا أثره أي أحله بعدما حرم لأنه أنسب والتحريم الأوّل كان بالحديبية وهذه الآية نسخته والإلزاق والإلصاق بمعنى وهو المماسة .
قوله : ( فالآن باشروهنّ لما نسخ الخ ) أشار به إلى أنه متفرّع على أحل لكم الخ ، وأنّ الأمر للإباحة لأنه بعد التحريم وهو توطئة لما بعده ، وقوله : من الولد إشارة إلى أنّ المقصود من الجماع التناسل لإقضاء الوطر والنهي عن العزل بالنسبة إلى الحرائر وعلى الوجه الأخير