يضيع أجورهم ولا يدع صلاحهم ولعله قدّم الرؤوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص لرؤوف بالمدّ والباقون بالقصر
قَدْ نَرى
ربما نرى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ
تردّد وجهك في جهة السماء تطلعا للوحي وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوّله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان ولمخالفة اليهود وذلك يدلّ على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل
فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً
فلنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا إذا صيرته واليا له أو فلنجعلنك تلي جهتها
تَرْضاها
تحبها وتتشوّق إليها المقاصد دينية وافقت مشيئة اللّه وحكمته
فَوَلِّ وَجْهَكَ
اصرف وجهك
شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
نحوه وقيل الشطر في
شرح
حديث صحيح أخرجه الشيخان والترمذيّ والحاكم وأحمد عن البراء بن عازب رضي اللّه عنه . قوله :
( فلا يضيع الخ ) يعني إنّ المراد بالرحمة رحمة يترتب عليها ما ذكر ليتم الارتباط ، وقوله : وهو أبلغ هو بناء على تفسير الرأفة بأشد الرحمة وحينئذ المناسب رحيم رؤوف وفيه نظر من وجهين الأوّل أنّ فواصل القرآن لا يلاحظ فيها الحرف الأخير كالسجع كما هنا في رحيم وتعملون فذلك حال على كل حاصل . الثاني أنّ الرأفة حيث وردت في القرآن قدّمت ولو في غير الفواصل كما في قوله تعالى :رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها[ سورة الحديد ، الآية : 27 ] في وسط الآية والذي غرّه كلام الجوهريّ ، وهو عندي ليس بصواب فإنّ الرأفة معناها الشفقة واللطف والرحمة الإنعام ورتبتها التقديم كما قيل : الإيناس قبل الإبساس ، وعليه استعمال العرب قال قيس الرقيات :ملكه ملك رأفة ليس فيه * جبروت منه ولا كبرياءفانظره كيف أوضح معناها بالتقابل ومثله كثير في كلام العرب وقد فصلناه في سورة النور وقوله : ربما إشارة إلى أن قد هنا للتقليل وتحتمل التكثير كما في ربما وهما منصرفان إلى التقلب ، والروع بالضم القلب ، والتولي إما من الولاية أو من ولي جهته . قوله : ( تحبها وتتشوّق إليها ) جعل الرضا بمعنى المحبة والتشوّق لأنه لم يكن ساخطا لتلك وإنما كان ألهم تغييرها فكان يتشوّق إلى مراد اللّه ويؤثره على مراده ، وهذه مرتبة فوق التوكل وقوله : لمقاصد دينية إشارة إلى أنّ ميله لم يكن لهوى نفسه وإجابته لم تكن إلا لموافقة حكمة . قوله : ( اصرف وجهك الخ ) أي اصرفه عن غيره وأقبل به عليه لأن الإقبال بالوجه على شيء يقتضي صرفه عن غيره وإنما ذكره لأنه تحوّل عن الجهة الأولى قال الراغب ولي إذا عدى بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع يقال : وليت سمعي كذا أقبلت به عليه قال تعالى :فَوَلِّ وَجْهَكَالخ وإذا عدى بعن لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الإعراض اه . فهو هنا متعدّ إلى مفعولين كما سمعت وعرفت معناه ، فمن قال لا يخفى أنه ليس من التولية بشيء من المعنيين بل هو من قبيل ما ولاهم لم يصب ، والزمخشريّ قال شطر المسجد نصب على الظرف أي
هامش
- جرير 2 / 11 كلهم عن البراء بن عازب . قال الترمذي : حسن صحيح .