مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
إلا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها ممن يرتدّ عن دينك آلفا لقبلة آبائه أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه وما كان لعارض يزول بزواله وعلى الأوّل معناه ما رددناك إلى التي كنت عليها إلا لنعلم الثابت على الإسلام ممن ينكص على عقبيه لقلقه وضعف إيمانه فإن قيل كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالما قلت هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء والمعنى ليتعلق علمنا به موجودا وقيل ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه أو لنميز الثابت من المتزلزل كقوله :
لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ
[ سورة الأنفال ، الآية : 37 ] فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه ويشهد له قراءة ليعلم على البناء للمفعول والعلم إما بمعنى
شرح
فيه من النسخ مرّتين والأصح الأول وقوله : أي الجهة التي كنت عليها ليس تفسيرا للقبلة بل للإشارة إلى أنّ جعل متعدّ لمفعولين الأوّل القبلة والثاني التي الخ بمعنى الجهة التي وليس الموصول صفة القبلة وهذا مختار الزمخشريّ ، وعكس أبو حيان رحمه اللّه فقال التي مفعول أوّل والقبلة مفعول ثان وقال إنّ المعنى عليه ، وقيل : التي صفة القبلة والمفعول الثاني محذوف أي ما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة ، وقيل : لنعلم هو الثاني بتقدير مضاف أي ما جعلنا صرف القبلة إلا للعلم المذكور وعلى التفسير الأوّل التي عبارة عن جهة الكعبة وعليه النسخ وقع مرّتين وعلى الثاني الصخرة ، وضمير بينه الأوّل للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم والثاني لبيت المقدس ، وقوله والمعنى الخ بيان للثاني ويقابله قوله الآتي وعلى الأوّل معناه . قوله : ( إلا لنمتحن به الناس الخ ) أي لنعاملهم معاملة الممتحن المختبر لتظهر حقيقة الحال ونعلم وتعلم يصح فيه النون والتاء وهو على التمثيل أي فعلنا ذلك فعل من يختبر ومنه يؤخذ جواب آخر عن السؤال الآتي وعلى هذا اقتصر الزمخشريّ في قوله تعالى :وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا[ سورة آل عمران ، الآية : 140 ] في سورة آل عمران فتصير الأجوبة عن مثل هذا التركيب أربعة وهذا مبنيّ على الثاني أيضا ، والمراد بمن يرتدّ أهل مكة وقبلة آبائه إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وهي الكعبة ، وقوله أو لنعلم الآن أي حين حوّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة والمراد بمن لا يتبعه أهل المدينة ومن يحذو حذوهم والمراد بالعارض موافقة قبلتهم والنكوص الإحجام عن الشيء . قوله : ( فإن قيل الخ ) يعني أنّ قوله لنعلم يشعر بحدوث العلم في المستقبل وعلمه تعالى أزليّ أجاب بوجوه ثلاثة تقدّم رابعها أنه على التجوّز في الإسناد بأن أسند إليه تعالى ما هو مسند إلى خواصه المقرّبين وليس على حذف مضاف ، أو العلم قديم ومتعلقه حادث في الحال فعبر عنه بذلك باعتبار المتعلق لأنه الذي يتعلق به الجزاء إذ العلم قبله لا يتعلق به جزاء وإنما يكون بعد وجوده وطاعته أو عصيانه فاللّه تعالى وإن كان عالما به دائما إلا أنّ العلم الذي يتعلق به مجازاته إنما يحصل بعد وجوده ، وحاصله تخصيص العلم أو هو من إطلاق السبب وهو العلم على المسبب وهو التميز في الوجود
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 4486 والواحدي في أسباب النزول 74 عن البراء .