الذي إن شاء فعل وإن يشأ لم يفعل والقدير الفعال لما يشاء على ما يشاء ولذلك يوصف به
شرح
لم يشأ لم يفعل ، ولما ذهب الفلاسفة إلى أنّ إيجاد العالم بطريق الإيجاب لم يثبتوا لموجده الإرادة والاختيار إلّا بمعنى إنه إن شاء فعل إلخ وهو متفق عليه بين الفريقين ، وفيه كلام في نهاية الإمام المدقق الطوسي ليس هذا محله ، وقيل إنّ قول المصنف هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل أحسن مما قيل إن شاء ترك لأنّ ظاهره يقتضي أن يكون العدم الأصلي متعلق المشيئة ، وليس كذلك كما قرّروه ، ثم إنّ كلا من الفعل وعدمه أعمّ من الإيجاد أو الإعدام فالمعنى إن شاء الإيجاد ، أو الإعدام فعله وإن لم يشأ الإيجاد أو الإعدام لم يفعله ، ومعنى كونه قادرا على الموجود حال وجوده أنه إن شاء عدمه أعدمه ، وإن لم يشأ لم يعدمه ، ومعنى كونه قادرا على المعدوم حال عدمه إنه إن شاء وجوده أوجده وإن لم يشأ وجوده لم يوجده فأحفظه فإنه نافع وفيه بحث . قوله : ( والقدير الفعّال لما يشاء إلخ ) قال الراغب : محال أن يوصف غير اللّه تعالى بالقدرة المطلقة يعني بل حقه أن يقال قادر على كذا ، والقدير هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة لا زائدا عليه ولا ناقصا عنه ، ولذلك لا يصح أن يوصف به إلّا اللّه تعالى والمقتدر يقاربه لكنه قد يوصف به البشر وإذا استعمل في اللّه فمعناه القدير وإذا استعمل في البشر فمعناه المتكلف والمكتسب للقدرة ، اه ومنه أخذ المصنف رحمه اللّه ما ذكره ملخصا فمعنى قوله على ما يشاء إنه متقن جار على وفق الحكمة ، وقيل معناه على الوجه الذي يشاء ما يشاؤه عليه من الوجوه المختلفة ، ولا محصل له إلّا أن يريد به التعميم أي على كل وجه أراده ، وهو توطئة لاختصاصه تعالى به لأنه لا يقدر على إيجاد كل ما يشاء وجوده أو على إيجاد ما شاء في غاية الإتقان جاريا على وفق الحكمة إلّا اللّه تعالى ، والفعال هو المبالغ فيما يفعله كما وكيفا ، وقيل : إن أراد بالفعال لما يشاء إلخ في الجملة فهو لا يقتضي عدم اتصاف الغير به وإن أريد العموم لكل ما يدخل تحت المشيئة لزم أن لا يوصف به غيره ولو مجازا ، وأورد عليه أنّ أوّل كلامه في تفسير القدرة يقتضي أن يكون القدير المتمكن من إيجاد الشيء أو ذا صفة تقتضي التمكن منه لا الفعال إلّا أن يثبت هذا المعنى نقلا ورد بأنّ القدير صيغة مبالغة ففيه زيادة على القادر ، وزيادة التمكن التام تقتضي أن يكون فعالا ، ولا يخفى أنّ المراد الثاني وأنه قد التزم ما لزمه فأيّ محذور فيه ، ثم إنّ ما ذكره هنا إن كان من تتمة القيل لم يرد ما ذكره ، وإن كان ابتداء كلام آخر والقدرة والتمكن الموصوف به اللّه تعالى صفة قديمة باقي أزلا وأبدا فيكون قبل الوجود ومعه ، وبعده فلا حاجة إلى جعله معنى آخر مستقلا ولا إلى غيره مما ذكره نعم ما ذكره المصنف رحمه اللّه تبعا للراغب من أنّ القدير لا يوصف به غير اللّه بخلاف القادر ، والمقتدر بناء على أنّ المبالغة في القدرة بالمعنى المذكور لا يتصف به غيره تعالى فيه نظر لأنّ المبالغة أمر نسبيّ لا يلزم أن تكون بالمعنى المذكور ، ولو تتبعت كلام العرب ، وأهل اللغة لم تجده مختصا به تعالى ، ولذا وقع في بعض النسخ قلما يوصف به غير البارئ ، وكأنّ المصنف أصلح به ما في النسخة الأولى على أنه قد خالف ما ذكره بقوله في أوّل الخطبة فلم