تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 640

مساهمون:

ص٦٤٠
شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ
[ سورة الأنعام ، الآية : 19 ] وبمعنى مشيء أخرى أي مشيء وجوده ، وما شاء اللّه وجوده فهو موجود في الجملة ، وعليه قوله سبحانه وتعالى :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ سورة آل عمران ، الآية : 165 ] اللّه خالق كل شيء فهما على عمومهما
شرح
بل المراد أيّ موجود أكبر شهادة كما لا يخفى مدفوع بأنه أصله ذلك ، ثم غلب على الموجود مطلقا ، وهو المراد كما سنوضح لك عن قريب . قوله : ( وبمعنى مشئ ) بفتح الميم وفي آخره همزة ، وقد تبدل ياء ، وتدغم اسم مفعول بوزن مبيع ومهيب ، وعلى ما قبله وهو اسم فاعل وهو في الأصل مصدر تجوّز به عن كل من هذين المعنيين ، واستعمل استعمال المشترك ، ثم شاع وغلب استعماله في ذات كل موجود وهو بعد هذه الغلبة عامّ لا مشترك لفظيّ ، ولا ينافيه أنه قد يلتفت إلى معناه الأصلي فيراد في الاستعمال كما ذكره المصنف فيما نحن فيه الآن فلا يرد عليه أنّ معناه المصدري قد زال بالنقل إلى الإسمية والاشتراك بين الفاعل والمفعول خلاف الظاهر لتعين معناه لمطلق الوجود ، ولذا قالوا الشيئية تساوق الوجود ، وفيه بحث . قوله : ( وما شاء اللّه وجوده فهو موجود إلخ ) لا يخفى ما في كلامه من الخرق الذي أتسع على الراقع ، وإن غفل عنه كثير ممن شرحه ، ولنحك ما قالوه أوّلا ، ثم نبين ما فيه فنقول من الناس من قال : المراد أنه مقدّر الوجود في وقت مقدر له أو في علم اللّه تعالى ، وفيه رائحة من الاعتزال لقوله بأنه يطلق على المعدوم ، وإنما تكلفه ليخرج المستحيل الذي سماه المعتزلة شيئا ، وإنما يسمى قبل وجوده شيئا باعتبار ما يؤول إليه ، وما في الانتصاف من أنه يسمى أوّل وجوده شيئا بلا خلاف ليس بشيء لمن عنده إنصاف ، وقيل : إنه من مزالّ الأقدام لما مرّ من تحرير محل النزاع بين المعتزلة وأهل السنة ، والفرق بين كلامهم وكلام أهل اللغة ، والمصنف رحمه اللّه خلط ذلك خلطا لا يخفى ، وتوجيهه أنه أراد أنّ الشيء في أصل اللغة مصدر أطلق بمعنى شاء أو مشى ، وكلاهما موجود أمّا الأوّل فظاهر ، وأمّا الثاني فلأنه ما تعلقت به المشيئة ، وما تعلقت به فهو موجود فثبت أنّ الشيء مختص بالموجود وإن أراد أنّ الشيء بمعنى الشيئية يختص بالموجود وافق الجمهور إلّا أنّ إثبات تعليله المذكور دونه خرط القتاد ، ولعل مراده هو الأوّل ، وقيل : إنه جواب عما يرد عليه من أنّ طروّ العدم من الممكن قد يقع متعلقا للمشيئة كالإعدام بعد الإيجاد بأنّ المشيئة إذا أطلقت تنصرف إلى الكاملة فمشيئة اللّه لما شاء وجوده تصيره موجودا في الجملة ، ولو في المستقبل والمراد بيان المناسبة بين المنقول ، والمنقول عنه ، وكلها إعتذارات أعظم من الجنايات وتطويل بغير طائل ، وتحصيل لغير حاصل وأنت بعدما غرفت أنّ الخلاف في إطلاقه على المعدوم الممكن كما ستراه وما يوجد في المستقبل قبل وجوده معدوم ممكن فلا يكون بيننا وبينهم على ما ذكره المصنف رحمه اللّه خلاف أصلا ، والذي أوقعه فيما وقع فيه كلام الراغب ، ثم إنّ ما ذكره من قوله وعليه قوله تعالى إلخ هو دليل لهم لا لنا لاستحالة تعلق القدرة والخلق ، والإيجاد بالموجود بعد وجوده وهو مع جوابه مذكور في التفسير الكبير فتدبر . وقيل إنه مبنيّ على أنّ العدم لا يحتاج إلى المشيئة بل عدم مشيئة الوجود كاف في العدم