تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
* أعمى الهدى بالجاهلين العمة *
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
اختاروها عليه واستبدلوها به وأصله بذل الثمن
شرح
مصراع أو بيت من الرجز من أرجوزة طويل لرؤبة بن العجاج الراجز المشهور وقبله :ومخفق من أهله ونهله * من مهمه أطرافه في مهمهوهو في وصف مفازة ، وفي شرح الكشاف أي ربّ مفازة لا تنتهي سعة بل أطرافها من جوانبها في مفازة أخرى أعمى الهدى أي أخفى المنار بالقياس إلى من لا دراية له بالمسالك جعل خفاء العلم عمى له بطريق الاستعارة ، وقيل : أعمى صفة من عمى عليه الأمر التبس أي ملتبس الهداية إلى طرقها على من يجهل ويتحير فيها ، وقد يقال أعمى فعل ماض أي أخفى طرق الاهتداء ، والعمة بضم العين وتشديد الميم جمع عامه ، وقال الطيبي رحمه اللّه : إنه جمع عمه أو عامه أي المهمة طريقه مشتبهة على الغبيّ إذ ليس فيه جادّة أو منار يهتدي به ، وقوله إنه جمع عمه أي أثبته أهل اللغة على خلاف القياس فيها وإلّا فمفرده المطرد فاعل وفاعلة كركع ، ولذا تركه غيره من الشراح . قوله : ( تعالى أولئك الذين إلخ ) موقع هذا كموقع أولئك على هدى ومقابله لأنه بعد ذكر المنافقين وصفاتهم القبيحة المفصلة كأنه قيل من أين دخل عليهم هذه القبائح ، ولم ينفعهم النذر والنصائح فأجيب بأنهم وإن استعدوا لغير ذلك فإنما خسر أولئك على ما مرّ لأنهم أبطلوا استعدادهم الفطري فاستبدلوا الهداية بالضلالة حتى خسرت صفقتهم ، وفقدوا الاهتداء للطريق المستقيم ووقعوا في تيه الحيرة والضلال ، ثم لا يخفى موقع الضلالة بعد العمة الذي أصله الضلال في القفار التي لا منار لها . وقال قدّس سرّه : إنّ هذه الآية تعليل لاستحقاقهم الاستهزاء الأبلغ والمد في الطغيان على سبيل الاستئناف أو هي جملة مقرّرة لقوله ويمدهم فتأمّل . قوله : ( اختاروها عليه واستبدلوها إلخ ) أدخل الاستبدال على المتروك الذي كأنه كان في يده فتركه وعدى الإشتراء بنفسه للمأخوذ المختار ، وسيأتي تفصيله وحرك واو اشتروا لالتقاء الساكنين ، وجعلت الحركة ضمة لمناسبة الواو فهي عليها أخف من الكسرة ، وقال الفرّاء : إنها حركت بحركة المحذوف قبلها والاشتراء مجاز ، وهو أمّا مجاز مرسل لأنّ الإشتراء استبدال خاص أريد به المطلق أو استعمل في لازمه ، ويجوز أن يكون هذا مراد الزمخشريّ بالاستعارة لأنها تستعمل بمعنى المجاز مطلقا ، وتسمى استعارة لغوية ، وذهب بعض شراح الكشاف إلى أنها الاستعارة المتعارفة لتشابههما في الإعطاء والأخذ ، ولا يضر كونه جزء المعنى كما توهم لأنّ وجه الشبه كما يكون خارجا يكون داخلا كما صرّح به أهل المعاني ، وجوّز فيه بعضهم أن يكون استعارة مكنية وتخييلية بأن تشبه الضلالة بالمبيع والهدى بالثمن تشبيها مضمرا في النفس بجامع الاختيار فيهما ، ويجعل الإشتراء قرينة له تخييلية ، ثم إنّ ما ذكره المصنّف رحمه اللّه هو ما في الكشاف بعينه حيث قال : ومعنى إشتراء الضلالة بالهدى اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل