تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
والغلو في الكفر وأصله الشيء عن مكانه قال تعالى :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ
[ سورة الحاقة ، الآية : 11 ] والعمة في البصيرة كالعمى في البصر ، وهو التحير في الأمر يقال رجل عامه ، وعمه وأرض عمهاء لامنا ربها قال :
شرح
بعن ، وقد وقع مثله في كلامهم كما في عبارة الرضي والزمخشريّ السكاكيّ وقد اعترض عليه السيد في حواشي الرضي فقال : جاوزت الشيء وتجاوزته بمعنى ، وتجاوز عنه بمعنى عفا يعني أنّ المتعدي بعن ، إنما هو بمعنى العفو والمغفرة فهذه العبارة وأمثالها مخالفة لكلام العرب ، وكأنه ضمن التجاوز معنى التباعد وإليه ذهب كثير من الفضلاء ، وقد وقع مثله في شعر من يوثق به ويجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه كقول أبي تمام في بعض قصائده :فلا ملك فرد المواهب واللها * تجاوز لي عنه ولا رشأدفردوقد تعرّض له الإمام التبريزي في شرحه ، ولم ينتقده عليه وهو من أئمة اللغة وهذا مما لم يقف عليه المعترضون كما بيناه في حواشي الرضي تجاوز اللّه عنه . قوله : ( والعمة في البصيرة كالعمى في البصر ) ظاهره إنهما متباينان لاختصاص أحدهما بالباطن والآخر بالظاهر ، وهو مخالف لقول الزمخشريّ العمى عام في البصر والرأي ، والعمة في الرأي خاصة لأنه جعل بينهما عموما وخصوصا مطلقا وهو المشهور ، وقد أيد بقوله تعالىفَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ[ سورة الحج ، الآية : 46 ] ولك أن تقول في التوفيق بينهما إنّ العمة مخصوص بالقلب والعمى بالبصر بل بالعينين إذ لا يقال لفاقد أحدهما أعمى بل أعور ، ثم تجوّز به لما في القلب وشاع حتى صار حقيقة عرفية لغوية ، ولذا لم يذكره في الأساس في المجاز فإن نظرنا لأصل الوضع كانا متغايرين كما ذكره المصنّف وإن نظرنا للاستعمال ، والحقيقة الثانية كان كما ذكره الزمخشريّ ولذا كان له صفتان أعمى وعم كحذر وتحقيقه كما في المصباح عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيرا ، وتعامه مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها إمارات تدلّ على النجاة فهو عمه ، وأعمه وعمى عمى فقد بصره فهو أعمى ، والمرأة عمياء والجمع عمى من باب أحمر ، وعميان أيضا ويعدى بالهمزة فيقال أعميته ولا يقع العمى إلّا على العينين جميعا ويستعار العمى للقلب كناية عن الضلالة والعلاقة عدم الاهتداء فهو عم وأعمى القلب ، اه . وما قيل في التوفيق إنّ المصنّف رحمه اللّه لم يرد اختصاص العمى بالبصر بل أراد بيان العمة بأنه صفة للبصيرة بمنزلة العمى في البصر لا طائل تحته ، والدهر يرضى العمى بالعور . قوله : ( وهو التحير إلخ ) تحقيقه كما عرفته أنّ أصل العمة عدم الإمارات في الطرق التي تنصب لتدلهم من حجارة وتراب ونحوهما ، وهو المنار ، ثم تجوّز به عن التردّد والتحير مطلقا وصار هذا حقيقة ثانية وإليه أشار الشيخان كغيرهما فأشارا بالتحير إلى المعنى المستعمل فيه وأشار بقوله وأرض إلخ إلى وصفه الأصلي فمن قال إنّ هذا من توصيف المحل بوصف من فيه لم يصب ، وقوله :أعمى الهدى بالجاهلين العمة