تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
ليس إلا الإصلاح ، وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد لأن إنما تفيد قصر ما دخله على ما بعده مثل إنما زيد منطلق ، وإنما ينطلق زيد ، وإنما قالوا ذلك لأنهم تصوّروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال سبحانه : وتعالى :
أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً
[ سورة فاطر ، الآية : 8 ]
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ
ردّ لما ادّعوه أبلغ ردّ للاستئناف به ، وتصديره بحرفي التأكيد ألا المنبهة على تحقيق ما بعدها ، فإنّ
شرح
المؤكدة المحصورة والتمحض الخلوص من قولهم لبن منحض أي لم يخالطه ماء ، والشوائب جمع شائبة ، وهو ما يخالط الشيء ، فيمنعه من الخلوص والعرب تسمي العسل شوبا لأنه عندهم مزاج الأشربة ، وفي المصباح وقولهم ليس فيه شائبة ملك يجوز أن يكون مأخوذا من هذا ومعناه ليس فيه شيء مختلط به ، وإن قلّ كما قيل : ليس فيه علقة ولا شبهة وأن تكون فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية هكذا استعمله الفقهاء ولم أجد فيه نصا . نعم قال الجوهريّ الشائبة واحدة الشوائب وهي الأدناس والأقذار ، وفيه إشارة إلى أنّ القصر فيه إفراديّ ، فإنهم لما نهوا عن الفساد ، والإفساد توهموا بأنهم حكموا عليهم بأنهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، فأجابوهم بأنهم مقصورون على محض الإصلاح الذي لم يشبه شيء من وجوه الفساد ، واختاروا إنما إيماء إلى أنّ ذلك مكشوف لا سترة عليه ، ولا ينبغي أن يشك فيه ، واحتمال القلب الذي ذهب إليه بعض شراح الكشاف لأن المسلمين لما وصفوهم بالإفساد فقط دون الإصلاح خصوا أنفسهم بعكسه ، وإن صح خلاف الظاهر من كلام الشيخين . وفي قوله ما دخله أي دخل عليه حذف ، وإيصال والمراد بما بعده الجزء الأخير ، ولم يصرّح به استغناء بشهرته عن ذكره . قوله : ( وإنما قالوا ذلك إلخ ) قصر قولهم على ما ذكر ولم ينظر إلى غيره من الاحتمالات ككونه كذبا محضا من غير تأويل لخوفهم من المؤمنين ، لأنّ العاقل إذا كان له مخلص من الكذب بزعمه يقصده لدفع ضرر الخصم ، بما يفيده ظاهر الكلام إذ الكذب يقبح عند المؤمن والكافر فلا يرتكب بغير ضرورة ولا يرتضي تعمده بغير تأويل خصوصا إذا كان بحيث يسبق إليه بغير تصنع وذلك لما أفاده بقوله لما في قلوبهم إلخ أو كونه مخادعة ، كما قيل لأنه لا يناسب قولهوَلكِنْ لا يَشْعُرُونَوهذا أحد احتمالات ذكرها الإمام ، واختاره المصنّف رحمه اللّه لأنه أظهرها وأتمها ، وزاد الإمام أنه إن فسر لا تفسدوا بمداراة الكفار كان معنى قوله مصلحون إنّ هذه المداراة سعي في الإصلاح بين المسلمين والكفار كقولهإِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً[ سورة النساء ، الآية : 62 ] وأيده بعضهم بأنه الوارد عن ابن عباس رضي اللّه عنهما فقد أخرج عنه ابن جرير أنه قال في تفسيره إنما يريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب والمصنّف رحمه اللّه لم يلتفت إليه مع اعتنائه بالتفسير المأثور لأنه غير مناسب للواقع ، والسياق والسباق مع إرجاعه إلى صورة الصلاح التي ذكرها . قوله : ( ردّ لما ادّعوه أبلغ ردّ إلخ ) لما بولغ في كونهم مصلحين بولغ في ردّه ، وتقرير ضدّه من