في الأرض من الناس والدواب والحرث ، ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين ، فإنّ الإخلال بالشرائع ، والإعراض عنها مما يوجب الهرج والمرج ويخل بنظام العالم ، والقائل هو اللّه سبحانه وتعالى ، أو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو بعض المؤمنين
قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ
جواب لاذا ورد للناصح على سبيل المبالغة والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك ، فإن شأننا
شرح
الحروب ، والفتن بطريق الكناية الرمزية ، لأنّ هيجها يستلزم خروج الأرض عن اعتدالها واستقامتها ، فذكر اللازم وهو الخروج عن ذلك وأريد الملزوم وهو الهيج ، ثم أنهم ما كانوا يهيجونها بل يفعلون ما يؤدّي إلى ذلك ، فهو مجاز مرتب على الكناية وقيل إنه مجاز عما يلزمه من ذلك وهو غير بعيد . وقوله : ( من الناس والدواب والحرث ) إشارة إلى قوله تعالىسَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ[ سورة البقرة ، الآية : 205 ] والحرث إلقاء البذر في الأرض وتهيئتها للزرع ويسمى المحروث حرثا أيضا تصورّ منه العمارة التي تحمل عنه في كون الدنيا محرثا ونحوه ، وقيل : إطلاق اسم الفساد على هيجان الحروب من إطلاق اسم المسبب على السبب مجازا ، ومعنى لا تفسدوا لا تهيجوا الفتن المؤدّية إلى فساد ما في الأرض ، ولا يخفى ما فيه من التخليط والتخبيط . قوله : ( ومنه إظهار المعاصي إلخ ) أي من الفساد في الأرض ما ذكر ، وهذه معطوفة على ما قبلها ، أو على قوله من فسادهم في الأرض ، وضمن الإهانة معنى الاستخفاف أو حملها عليه ، فلذا عداه بالباء ، وهو متعد بنفسه وبينه بقوله فإنّ إلخ . وقيل : إنه ردّ لما يقال من أنّ الزمخشريّ خص هذا الفساد لأنّ فيه زيادة بيان لفائدة قوله في الأرض لأنّ غير ما ذكره أيضا يعود إلى فساد الأرض ، والهرج والمرج بمعنى القلق والاضطراب قيل : وإنما يسكن المرج مع الهرج للإزدواج ، فإذا لم يقارنه فتحت راؤه وفي بعض كتب اللغة ما يخالفه فالهرج بالسكون وقوع الناس في فتنة واختلاط والمرج قريب منه ويكون موضع الخضرة ، ولذا تظرّف بعض المحدثين فقال :حمى مرج العذار بمقلتيه * فبات الناس في هرج ومرجوإنما قال : ومنه إلخ لأنه نقل عن ابن عباس رضي اللّه عنهما تفسيره به أشار إلى أنه لم يقصد به الحصر ونظام العالم ما ينتظم ويتمّ به ، وهو بالشرائع فلو عطلت والعياذ باللّه كان تعطيلها يجرّيء الناس على ما يفني الحرث والنسل ، ويخرب العالم . قوله : ( والقائل هو اللّه إلخ ) هذا من كلام الإمام في التفسير الكبير قال : وكل ذلك محتمل ، ولا يجوز أن يكون القائل لذلك من لا يختص بالدين والنصيحة ، وإن كان الأقرب هو أنّ القائل من يشافههم بذلك ، فإمّا أن يكون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بلغه عنهم النفاق ولم يقطع بذلك فنصحهم ، فأجابوه بما يحقق إيمانهم في الصلاح بمنزلة سائر المؤمنين ، وإمّا أن يقال إنّ بعض من كانوا يلقون إليه الفساد لا يقبله منهم فينقلب ، واعظا لهم قائلا لا تفسدوا أو يخبرون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك فتدبر . قوله : ( جواب لاذا إلخ ) عبر بالناصح دون الناهي إشارة إلى أنّ هذا من القائل شفقة عليهم ، ومعاملة بلطف من غير مبارزة وعنف منه ، ووجه المبالغة ذكر الاسمية