يخفى إلا على مؤف الحواس ، والشعور الإحساس ، ومشاعر الإنسان جواسه وأصله الشعر ، ومنه الشعار
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
المرض حقيقة فيما يعرض للبدن ، فيخرجه عن الاعتدال الخاص به ، ويوجب الخلل في أفعاله ، ومجاز في الأعراض
شرح
جيء به على الأصل فقيل : ما ووفة بوزن مضروبة جاز عند بعض الناس ، وكذا استعمله البحتري في شعره . قوله : ( والشعور الإحساس إلخ ) أي الإدراك بالحواس الخمس الظاهرة ، وقد يكون بمعنى العلم وصرّح الراغب بأنه مشترك بينهما ، وذهب بعضهم إلى أنّ هذا أصله ، وذاك مجاز منه صار لشهرته فيه حقيقة عرفية ، وهو ظاهر كلامهم هنا ، والمشاعر الحواس ، ولها معان أخر كمناسك الحج وشعائره ، وقوله الشعر بكسر الشين وسكون العين لأنه اسم للعلم الدقيق ، كما في قولهم ليت شعري . ثم نقل في عرف اللغة للكلام الموزون المقفى ، فهو مصدر أخذ منه الفعل وتصاريفه ، ولو قرئ بفتحتين صح أيضا لقول الراغب في مفرداته شعرت أصبت الشعر ومنه استعير شعرت ، كذا أي علمت علما في الدقة كإصابة الشعر ا ه .
ولذا فسر الشعور بالفطنة ودقة المعرفة . وقوله : ( ومنه الشعار ) ضمير منه راجع للشعر والشعار يكون بمعنى الثوب الذي يلي الجسد لمماسته الشعر ، ويكون بمعنى العلامة وبمعنى ما يتنادى به في الحرب ليعرف بعضهم بعضا ، فإن كان الشعر بالفتحتين فالمناسب تفسيره بالمعنى الأوّل وإلّا فبالثاني ، وجملة ما يشعرون مستأنفة أو معطوفة أو حال من فاعل يخدعون ، ومفعول يشعرون مقدّر أي لحوق الضرر بهم ، وأنّ وبال خداعهم راجع إليهم ونحوه أو غير مقدّر للعموم وتنزيله منزلة اللازم ، وقوله بذلك ورجوع ضرره يشير إلى الأول وجعلهم في حواسهم آفة يشير إلى الثاني ، وهو أبلغ كما مرّ . قوله : ( المرض حقيقة فيما يعرض للبدن إلخ ) من الأطباء من ذهب إلى أنّ أحوال الإنسان ثلاث صحة ومرض وحال لا صحة ، ولا مرض كجالينوس ، وعند الرئيس أنّ له حالتين صحة ومرض بغير واسطة ، والصحة تصدر عنها الأفعال سليمة ، والمرض يقابلها ، وذهب أهل اللغة كما في المصباح إلى أنه حالة خارجة عن الطبع ضارّة بالفعل ، والفرق بينه وبين ما ذهب إليه الأطباء ظاهر ، فإنهم يسمون نحو الحول والحدب مرضا بخلاف أهل اللغة ، ثم إنّ المصنّف رحمه اللّه عدل عن قوله في الكشاف : فالحقيقة أي حقيقة المرض أن يراد الألم كما تقول : في جوفه مرض لما فيه ، لأنّ الألم أثر المرض لا عينه لغة واصطلاحا كما لا يخفى ، وما قيل من أنّ كون الألم مرضا من أظهر القضايا عند أهل اللغة والعرف ، وأمّا كونه عرضا لا مرضا فمن تدقيقات الأطباء على أنّ استعماله في المرض شائع فيما بينهم أيضا كقولهم الصدع ألم في أعضاء الرأس فيه ما لا يخفى ، والمراد بالأفعال ليست الأفعال المتعارفة كالضرب بل متعارف الحكماء ، وهي إمّا طبيعية كالنمو أو حيوانية كالنفس ، أو نفسانية كجودة الفكر والألم ما يتألم ، ويتوجه به وهو أعمّ من المرض ، والاعتدال توسط حال بين حالين ، وكل ما تناسب فقد اعتدل كما في القاموس . قوله : ( ومجاز في الأعراض النفسانية إلخ ) الأعراض جمع عرض كسبب وأسباب ، وهو ما يعرض ويطرأ على المرء ثم