تخصيص الحرف به عرف مجدّد بل المعنى اللغوي ، ولعله سماه باسم مدلوله ، ولما كانت
شرح
موصول اسميّ مرفوع محلا بالابتداء ، والموصول إذا وقع مبتدأ يجوز أن يقرن خبره بالفاء ، لكونه في معنى الشرط ، كما قرره النحاة ، وهذا جواب عن سؤال تقديره إنّ ابن مسعود رضي اللّه عنه من كبار الصحابة ، وأهل اللسان ، وقد أطلق عليها الحرف ، وهذا مناف لما قلت فأجاب بأنه إنما يعارضه لو قصد به المعنى المصطلح بين النحاة وهو الكلمة الدالة على معنى في غيرها ، وليس بمراد بل لا يصح إرادته هنا فإنّ حقيقة الحرف لغة كما قاله الجوهري طرف كل شيء ، وواحد حروف التهجي ، وحروف المباني التي تركب منها الكلم ، وما ذكر هو حروف المعاني وإطلاق الحروف عليها عرف جديد أحدثه النحاة بعد العصر الأوّل ، فكيف يصح إرادته في الحديث وتفسيره به ، ويكون بمعنى الكلمة كما في قول بعض العرب ، وقد قيل له : أتقرأ القرآن فقال : واللّه لا أهجو منه حرفا ، أي لا أقرأ منه كلمة كما ذكره الأزهريّ ، وإن أهمله الجوهريّ ، وصاحب القاموس ، وهو معنى حقيقيّ أو مجازيّ مسموع من العرب أي مجاز مرسل من إطلاق الجزء على الكل ، أو استعارة لأنها من الكلام بمنزلة الحرف من الكلمة ، وقوله في الأساس من المجاز ، هو على حرف من أمره أي طرف لا يعارض ما قاله الجوهريّ ، لأنّ حقيقته الطرف الحسي ، ولولا هذا الحمل تناقض كلامه . قوله : ( فإنّ تخصيص الحرف به ) أي بالمعنى الذي اصطلح عليه النحاة إن كان المراد بالمعنى الآتي الكلمة ، فكونه تخصيصا ظاهر لأنه قسم منه ، ولذا اختاره كثير من أرباب الحواشي فإن لم يرد فالتخصيص ليس في مقابلة الإطلاق بل بمعنى التعيين مطلقا ، كما في قولهم الوضع تخصيص شيء بشيء ، فلا حاجة إلى التكلّف في توجيهه مثل ما قيل : من أنّ مراد المصنّف بالمعنى اللغويّ الطرف وهو متناول لجميع حروف المباني ، وأقسام الكلمة لخروج أصواتها من طرف اللسان ، فهي حروف بالمعنى المذكور . قوله : ( بل المعنى اللغويّ ) وهو الكلمات كما مرّ تحقيقه ، فقوله ولعله سماه إلخ جواب آخر إذ المراد منه حينئذ حروف المباني ، فإن أريد بالمعنى اللغويّ ما ذكر من الحروف المقطعة ، وهي حروف المباني بالتحتية فهما جواب واحد ، وليس المراد به الطرف كما توهم . قوله : ( ولعله سماه باسم مدلوله ) هذا ما ذكره الإمام في تفسيره ، وعبارته توهم أنه من بنات فكره ، وعلى هذا فالحكم على ما ذكر بالحرفية باعتبار مدلوله فهو معنى حقيقي له لا مجازيّ ، وما قاله الإمام ومن حذا حذوه من أنه سماه حرفا مجازا لكونه اسم الحرف وإطلاق أحد المتلازمين على الآخر مجاز مشهور ليس بشيء ويعلم مما ذكر غيره مما يشاركه في معناه ولا يرد عليه أنه إذا كان في الحديث بالمعنى اللغويّ يصير معناه من قرأ كلمة من كتاب اللّه أيّ كلمة كانت بدليل أنه ضم إليه في رواية ، كما مرّ ذلك الكتاب ، وليست كل كلماته مسماها الحروف حتى يصح تسميته باسم مدلوله فالظاهر أن يقال إنه جعل الكلمات بمنزلة حروفه ، ولا يخفى ما فيه من التعسّف لأنه على ما ذكر لا يراد بالحروف الكلمات بل حروف التهجي كما بيناه ، فهذا تخليط منه وإن كان ما ذكره من الرواية ينبو عنه إلّا بتوفيق من بيده التوفيق ، والحاصل أنّ ما ذكر إنما يدل على حرفية المسميات لا على حرفية هذه الألفاظ